القدر - تفسير البغوي

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)

سورة القدر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) }
{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } يعني القرآن، كناية عن غير مذكور، أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعه في بيت العزة، ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام نجومًا في عشرين سنة (2) . ثم عجَّب نبيه فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } سُميت ليلة القدر لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة، كقوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم" (الدخان -4) وهو مصدر قولهم: قَدَر الله الشيء بالتخفيف، قَدْرًا وَقَدرًا، كالنَّهَر 197/أ والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدّره -بالتشديد -تقديرًا [وقَدَر بالتخفيف قدرًا] (3) بمعنى واحد.
قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: [بلى] (4) ، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقال الأزهري: "ليلة القدر": أي ليلة العظمة والشرف من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي جاه ومنزلة، ويقال: قَدَرْت، فلانًا أي عظمته. قال الله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" (الأنعام -91) (الزمر -67) أي ما عظموه حق تعظيمه.
وقيل: لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولا.
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إنا أنزلناه في ليلة القدر) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 567.
(2) انظر : ابن كثير: 4 / 530.
(3) ما بين القوسين زيادة من "أ".
(4) في "ب" نعم".

(8/482)


واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة. وروي عن عبد الله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر قد رَفعتْ؟ قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر أستقبله؟ قال: نعم (1) .
وقال بعضهم: هي ليلة من ليالي السنة حتى لو علقَّ رجل طلاق امرأته وعتق عبده بليلة القدر، لا يقع ما لم تمض سنة من حين حلف. يروى ذلك عن ابن مسعود، قال: من يقم الحول يُصِبْهَا، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس (2) .
والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان.
واختلفوا في تلك الليلة؛ قال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر رمضان. وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.
والصحيح والذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" (3) .
أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر [ما] (4) لا يجتهد في غيرها (5) .
__________
(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 570 لعبد بن حميد.
(2) انظر : الدر المنثور: 8 / 576.
(3) أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: 3 / 504، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: 4 / 259، وأخرج مسلم الجملة الأخيرة (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها، برقم: (1169): 4 / 828، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381.
(4) ساقط من "أ".
(5) أخرجه الترمذي في الصوم: 3 / 509 وقال: "هذا حديث غريب حسن صحيح". ومسلم في الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان برقم: (1174): 2 / 832، والمصنف في شرح السنة: 6 / 390.

(8/486)


أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي يعقوب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر [الأواخر] (1) من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله (2) .
واختلفوا في أنها في أي ليلة من العشر؟
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا أبو سهل بن مالك، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحَّروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" (3) .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوازن، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن [هاشم] (4) بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التمسوها في العشر الأواخر من تسع بَقِينَ أو سبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة" (5) ، فكان أبو بكرة إذا دخل رمضان يصلي كما يصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر [الأخير] (6) اجتهد.
وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني خالد بن الحارث، حدثنا حميد، حدثنا أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتَلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت،
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب العمل في العشرة الأواخر من رمضان 4 / 269، ومسلم في الاعتكاف باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان برقم: (1174): 2 / 832، والمصنف في شرح السنة: 6 / 389.
(3) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: 4 / 259، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381 - 382.
(4) في "أ" هشام والصحيح ما أثبتناه كما في التهذيب.
(5) أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: 3 / 507 - 508 وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن حبان صفحة: (231) من موارد الظمآن، وابن خزيمة: 3 / 324، وصححه الحاكم: 1 / 438 ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان: 7 / 280، والإمام أحمد: 5 / 36، والطيالسي في المسند صفحة: (118) برقم: (881)، وابن أبي شيبة: 3 / 76. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة برقم: (2092) وصحيح الجامع برقم: (1243). وانظر: الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر بالتفصيل في: "إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام" لابن حجر الهيثمي صفحة (166) وما بعدها.
(6) في "ب" الأواخر" .

(8/487)


لأخبركم بليلة القدر فتَلاحى فلان وفلان فرُفعتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" (1) .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [أروا] (2) ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (3) . وروي عن أبي سعيد الخدري: أنها ليلة إحدى وعشرين.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى من رمضان، واعتكف عامًا حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج صبحها من اعتكافه، قال: من [كان سيعتكف] (4) معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة ثم أُنْسِيتُها، وقد رَأَيْتُنيِ أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر (5) .
قال أبو سعيد الخدري: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فَوَكَفَ المسجد.
قال أبو سعيد: فأَبْصَرَت عينايَ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أَثَر، الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم: هي ليلة ثلاث وعشرين.
__________
(1) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس: 4 / 267 والمصنف في شرح السنة: 6 / 380.
(2) في "ب" رأوا.
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر، 1 / 320، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر 4 / 256، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (1165): 2 / 822 - 823، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381.
(4) في "ب" من اعتكف.
(5) أخرجه الإمام مالك في الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر: 1/319، والبخاري في الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر: 4 / 271، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (1167): 2 / 825 والمصنف في شرح السنة: 6 / 383 - 384.

(8/488)


أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد الحمصي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أكون بباديةٍ يقال لها الوَطْأَة وإني بحمد الله أُصلِّي بهم، فمُرْني بليلةٍ من هذا الشهر أنزلُها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال: "انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلِّها فيه، وإن أحببت أن تَسْتَتّم آخر الشهر فافعل، 197/ب وإن أحببت فكف" (1) . قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا من حاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد.
وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم مضى من الشهر؟ فقلنا: ثنتان [وعشرون] (2) وبقي سبع، [فقال : "مضى اثنتان وعشرون وبقي سبعُ] (3) اطلبوها الليلةَ، الشهر تسع وعشرون" (4) .
وقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأُبَيٍّ وعائشة:
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي ابن كعب: يا أبا المنذر أخبرنا عن ليلةِ القدرِ، فإن ابنَ أمِّ عبدٍ يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِبْهَا، فقال:
__________
(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في ليلة القدر: 2 / 110، والبيهقي في السنن 4 / 310، وفي شعب الإيمان: 7 / 276، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 3 / 88، وعبد الرزاق في المصنف: 4 / 251. ورواه مالك منقطعا: 1 / 320 ووصله مسلم وغيره كما تقدم. قال المنذري: "وفي سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، وقد أخرج مسلم في صحيحه في "كتاب الصيام برقم: (1168) من حديث بسر بن سعيد، عن عبد الله بن أنيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه" وأما ابن إسحاق فإن تدليسه لا يضر، فهو ليس من القادح في العدالة، وقد أطال العلامة اللكنوي في الرد على جرحه، وانتهى إلى توثيقه في كتابه: "إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام" صفحة: (280 0 290) وبالجملة فهو حسن اختلف فيه، وهو حسن الحديث كما قال المنذري. وانظر : مجمع الزوائد: 3 / 178.
(2) ساقط من "أ".
(3) ساقط من "أ".
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 3 / 84 ومن طريقه أخرجه ابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في "الشهر تسع وعشرون" برقم: (1656): 1 / 530 وقال البوصيري في الزوائد : "إسناد صحيح على شرط مسلم" ، وزاد الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند على أنه شرط البخاري. وصححه ابن حبان صفحة: (230) من موارد الظمآن، وأخرجه البيهقي في السنن، 4 / 310، والإمام أحمد في المسند: 2 / 251 بإسناد صحيح وبشرح الشيخ أحمد شاكر: 13 / 156. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 6 / 386.

(8/489)


لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)

رحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنه قد علم أنها في رمضان، ولكن كره أن يُخبركم فَتَتَّكِلوا هي -والذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم -ليلة، سبع وعشرين، فقلنا: يا أبا المنذر أنىَّ علمت هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فحفظنا [ووعينا] (1) ، هي والله [لا تنسى] (2) ، قال قلنا لِزرٍّ: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنها طاسٌ ليس لها شعاع (3) .
ومن علاماتها: ما روي عن الحسن رَفَعه: أنها ليلة [بَلْجَةٌ] (4) سَمْحَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها (5) .
وفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعًا في إدراكها ، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها.
{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) }
قوله عز وجل: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } قال عطاء عن ابن عباس: ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلها أعمالا؟ فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة (6) .
__________
(1) في "ب" وعددنا.
(2) في "ب" لا نستثني.
(3) أخرجه مسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث عليه برقم: (762): 2 / 828، والمصنف في شرح السنة: 6 / 387.
(4) أي مشرفة، النهاية: 1 / 151.
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن مرسلا: 3 / 514، وعبد الرزاق في المصنف: 4 / 252 - 253، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 4 / 260: "وقد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي، منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب - الحديث السابق - وفي رواية لأحمد من حديث: "مثل الطست" ونحوه لأحمد من حديث أبي عون عن ابن مسعود، وزاد: "صافية" ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا: "ليلة القدر صافية بلجة طلقة لا حارة ولا باردة. . ".
(6) أخرجه الطبري: 3 / 289 - 290، والواحدي في أسباب النزول صفحة (533) كلاهما عن مجاهد: وأخرجه أيضا البيهقي في السنن: 4 / 306 وقال: هذا مرسل، وأشار إليه في "شعب الإيمان" 7 / 265. وذكره ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل . . وهو منقطع، وفيه مسلم بن خالد الزنجي صدوق له أوهام.

(8/490)


تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

قال المفسرون: "ليلة القدر خير من ألف شهر" معناه: عمل صالح في ليلة القدر خير من عَمِل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
حدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، املاءً، حدثنا أبو نعيم الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا أبو إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" (1) .
قال سعيد بن المسيب: من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر (2) .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافيت ليلة القدر فما أقول؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفوَ فاعف عني" (3) .
{ تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) }
قوله عز وجل: { تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ } يعني جبريل عليه السلام معهم، { فيها } أي في ليلة القدر، { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } أي بكل أمر من الخير والبركة، كقوله: "يحفظونه من أمر الله" (الرعد -11) أي بأمر الله. { سَلامٌ } قال عطاء: يريد: سلامٌ على أولياء الله وأهل طاعته. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حيث تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر (4) .
وقال الكلبي: الملائكة ينزلون فيه كلما لقوا مؤمنًا أو مؤمنة سلَّموا عليه من ربه حتى يطلع الفجر.
__________
(1) أخرجه البخاري في التراويح، باب فضل من قام رمضان: 4 / 250، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان برقم: (760): 1 / 524.
(2) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 582.
(3) أخرجه الترمذي في الدعوات: 9 / 495 وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في التفسير: 2 / 538، وفي عمل اليوم والليلة صفحة: (499) ومن طريقه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (359)، وابن ماجه برقم: (3850): 2 / 1265، والبيهقي في شعب الإيمان: 7 / 299 والإمام أحمد: 6 / 171، 182 ، 183 ، والحاكم: 2 / 530 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ومحمد بن نصر في قيام الليل وقيام رمضان صفحة: (239) من مختصر المقريزي. وصححه النووي في الأذكار. وانظر: الفتوحات الربانية على الأذكار النووية لابن علان : 4 / 346.
(4) أخرجه البيهقي عنه في شعب الإيمان: 7 / 299 ورجاله ثقات وذكره القرطبي عنه: 20 / 134.

(8/491)


وقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: "بإذن ربهم من كل أمر" ثم ابتدأ فقال: "سلام هي"، أي: ليلة القدر سلام وخير كلها، ليس فيها شر.
قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة.
وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر [سالمة] (1) لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى (2) .
{ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } أي: إلى مطلع الفجر، قرأ الكسائي "مَطِلْع" بكسر اللام، والآخرون بفتحها، وهو الاختيار، بمعنى الطلوع، على المصدر، يقال: طلع الفجر طُلوعا ومطلعًا، والكسر موضع الطلوع.
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 7 / 299. وذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 569 - 570 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.

(8/492)


لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)

سورة البينة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) }
{ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } وهم اليهود والنصارى ، { وَالْمُشْرِكِينَ } وهم عبدة الأوثان، { مُنْفَكِّين } [منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة]: (2) زائلين منفصلين، يقال: فككت الشيء فانفكَّ، أي: انفصل، { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، الحجة الواضحة، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، أتاهم بالقرآن فبيَّن لهم [ضلالاتهم] (3) وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين، أخبر أنهم لم ينتهوا عن الكفر حتى أتاهم الرسول فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم الله من الجهل والضلالة. ثم فسر البينة فقال: { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو } يقرأُ { صُحُفًا } كتبًا، يريد ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن؛ لأنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن [الكتاب] (4) ، قوله: { مُطَهَّرَةً } من الباطل والكذب والزور. { فِيهَا } أي في الصحف، { كُتُبٌ } يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها، { قَيِّمَةٌ } عادلة مستقيمة غير ذات عوج.
{ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) }
ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال:
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (لم يكن) بالمدينة، انظر: الدر المنثور: 8 / 585.
(2) ما بين القوسين ساقط من "ب" .
(3) في "ب" ضلالتهم.
(4) في "ب" كتاب.

(8/493)


{ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، { إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل.
قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن 198/أ به بعضهم، وكفر آخرون.
وقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله "منفكِّين": هالكين، من قولهم: انفك [صلا] (1) المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك.
ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، والأول أصح. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: { وَمَا أُمِرُوا } يعني هؤلاء الكفار، { إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ } يعني إلا أن يعبدوا الله، { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا [بالإخلاص في] (2) العبادة لله موحدين، { حُنَفَاءَ } مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، { وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ } المكتوبة في أوقاتها، { وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } عند محلها، { وَذَلِك } الذي أمروا به، { دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي الملة والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيِّمة وهي نعته، لاختلاف اللفظين، وأنَّث "القيِّمة" ردًا بها إلى الملة.
وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: "القيمة" هي الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" (البقرة 213) .
قال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله: "وذلك دين القيمة"؟ فقال: "القيمة":
__________
(1) وسط الظهر منا ومن كل ذي أربع.
(2) في "ب" بإخلاص .

(8/496)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)

جمع القيِّم، والقِّيمُ والقائمُ واحدٌ، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد.
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) }

(8/497)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )