البلد - تفسير البغوي

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)

{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) }
{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } أي قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي في الآخرة، أي لآخرتي التي لا موت فيها.
{ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } قرأ الكسائي ويعقوب "لا يُعذَّب" "ولا يُوثقَ" بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحدٌ [في الدنيا] (1) كعذاب الله يومئذ، ولا يوثق كوثاقه [أحد] (2) يومئذ.
وقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد.
وقرأ الآخرون بكسر الذال والثاء، أي: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كوثاقه أحد، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب، والوثاق: هو الإسار في السلاسل والأغلال.
قوله عز وجل: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } إلى ما وعد الله عز وجل المصدقة بما قال الله. وقال مجاهد: "المطمئنة" التي أيقنت أن الله تعالى ربها وصَبرت جأشًا لأمره وطاعته.
وقال الحسن: المؤمنة الموقنة، وقال عطية: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال الكلبي: الآمنة من عذاب الله.
وقيل: المطمئنة بذكر الله، بيانه: "قوله "وتطمئن قلوبهم بذكر الله".
واختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت فيقال لها: { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ } 192/ب إلى الله { رَاضِيَة } بالثواب { مَرْضِيَّةً } عنك.
وقال الحسن: إذا أراد الله قبضها اطمأنت إلى الله ورضيت عن الله ورضي الله عنها.
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) ساقط من "ب".

(8/423)


فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29)

قال عبد الله بن عمرو: (1) إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل ملكين إليه وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رَوْح وريحان وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة. فلا تمر بباب إلا فتح لها ولا بِمَلَك إلا صلَّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره، سبعون ذراعًا عرضه، وسبعون ذراعًا طوله، وينبذ له فيه الريحان فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره.
وإن لم يكن جعل له نوره مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين وأرسل قطعة من بجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم وربك عليك غضبان (2) .
وقال أبو صالح في قوله: "ارجعي إلى ربك راضية مرضية" قال: هذا عند خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: "ادخلي في عبادي وادخلي جنتي" .
وقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث يقال: ارجعي [إلى ربك] (3) أي إلى صاحبك وجسدك، فيأمر الله الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وهذا قول عكرمة، وعطاء، والضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس.
وقال الحسن: معناه: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته، راضيةً عن الله بما أعد لك، مرضيةً، رضي عنك ربك.
{ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) }
{ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } أي مع عبادي في جنتي. وقيل: في جملة عبادي الصالحين المطيعين المصطفين، نظيره: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين".
__________
(1) في "أ" عمر. وهو خطأ.
(2) قطعة من موقوف عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": 3 / 564-566، وهناد في "الزهد" 1 / 252-253، قال الهيثمي: 2 / 328 "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات" وعزاه السيوطي لهناد وعبد بن حميد في "التفسير" والطبراني في "الكبير" بسند رجاله ثقات. انظر: شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور ص(88) وفيه عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف، له ترجمة في "الميزان" و"التهذيب".
(3) ساقط من "أ".

(8/424)


وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

{ وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) }
{ وَادْخُلِي جَنَّتِي } وقال بعض أهل الإشارة: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله هو سلوك سبيل الآخرة.
وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته، فجاء طائر لم [نر] (1) على صورة خلقه فدخل نعشه، ثم لم [نر] (2) خارجًا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ولم ندر من قرأها: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" (3) .
__________
(1) في "ب" لم ير.
(2) في "ب" لم ير.
(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 515 لابن أبي حاتم والطبراني.

(8/425)


لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)

سورة البلد مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) }
{ لا أُقْسِمُ } يعني، أقسمُ { بِهَذَا الْبَلَدِ } يعني مكة { وَأَنْتَ حِلٌّ } أي حلال، { بِهَذَا الْبَلَدِ } تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم. أحل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل وَقَتل وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة (2) ، ومِقْيَس بن صُبَابة وغيرهما (3) ، فأحل دماء قوم وحرم دماء قوم فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (4) ، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة (5) .
والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دلَّ ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له.
قال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: "وأنت حل بهذا البلد" قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا ويستحلون إخراجك وقتلك؟
__________
(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (لا أقسم بهذا البلد) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 516.
(2) أخرجه البخاري في الحج، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام: 4 / 58 وفي الجهاد، باب قتل الأسير وقتل الصبر، ومسلم في الحج: باب جواز دخول مكة بغير إحرام برقم (1357): 2 / 989 - 990.
(3) عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص 184 لأبي داود والنسائي . وانظر سيرة ابن هشام: 4 / 52.
(4) انظر : سيرة ابن هشام : 4 / 46.
(5) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الحج، باب فضل الحرم: 3 / 449، ومسلم في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها . . برقم (1353): 2 / 986 .

(8/426)


وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6)

{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا (6) }
{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } يعني آدم عليه السلام وذريته. { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ } روى الوالِبِيُّ عن ابن عباس: في نَصَب. قال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال قتادة: في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة.
وقال سعيد بن جبير: [في شدة. وقال عطاء عن ابن عباس]: (1) في شدة خلق حمله وولادته ورضاعه، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته.
وقال عمرو بن دينار: عند نبات أسنانه. قال يمان: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وأصل الكَبَد: الشدة.
وقال مجاهد، وعكرمة، وعطية، والضحاك: يعني منتصبًا معتدل القامة، وكل شيء خلق فإنه يمشي مكبًا، وهي رواية مقسم عن ابن عباس، [وأصل] (2) والكبد: الاستواء والاستقامة.
وقال ابن كيسان: منتصبًا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله له في خروجه انقلب رأسه إلى رجلي أمه.
وقال مقاتل: "في كبد" أي في قوة.
نزلت في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعًا ويبقى موضع قدميه. { أَيَحْسَب } يعني أبا الأشدين من قوته، { أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } أي: يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله تعالى. وقيل: هو الوليد بن المغيرة. { يَقُولُ أَهْلَكْتُ } يعني أنفقت ، { مَالا لُبَدًا } أي كثيرًا بعضه على بعض، من التلبيد، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أبو جعفر لُبَّدا بتشديد الباء على جمع لا بد، مثل راكع وركع، وقرأ الآخرون بالتخفيف على جمع "لِبْدة"، وقيل على الواحد مثل قُثَم وحُطَم.
__________
(1) ما بين القوسين من "أ".
(2) ساقط من "ب".

(8/430)


أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)

{ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) }
{ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ } قال سعيد بن جبير [وقتادة: أيظن] (1) أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟
وقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنفقت كذا وكذا، ولم يكن أنفق جميع ما قال، يقول أيظن أن الله عز وجل لم يَرَ ذلك منه فيعلم مقدار نفقته، ثم ذكرَّه نعمه ليعتبر، فقال: { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } قال قتادة: نِعَمُ الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر، وجاء في الحديث: أن الله عز وجل يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق (2) . { وَهَدَيْنَاهُ 193/أ النَّجْدَيْنِ } قال أكثر المفسرين: طريق الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، كقوله: "إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا" وقال محمد بن كعب عن ابن عباس: "وهديناه النجدين" قال: الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، والنجد: طريق في ارتفاع. { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } يقول: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به من فك الرقاب وإطعام السَّغْبَان، فيكون خيرًا له من إنفاقه على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد وجماعة.
وقيل: "فلا اقتحم العقبة" أي لم يقتحمها ولا جاوزها. والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكْرُ العقبة هاهنا مَثَلٌ ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام، وهذا معنى قول قتادة.
وقيل: إنه شبَّه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها.
وروي عن ابن عمر: أن هذه العقبة جبل في جهنم (3) .
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(2) انظر: ابن كثير : 4 / 513، الدر المنثور: 8 / 521.
(3) أخرجه الطبري: 30 / 201 . وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 522 عزوه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.

(8/431)


وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)

وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله تعالى (1) .
وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي: هي صراط يضرب على جهنم كحدِّ السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودًا وهبوطًا، وإن بجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفارس، ومنهم من يمر عليه كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم الزالُّون، ومنهم من يكردس في النار.
قال ابن زيد: يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة.
{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) }
ثم بَيَّن ما هي فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ } ما اقتحام العقبة. قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال: "وما أدراك" فإنه أخبر به، وما قال: "وما يدريك" فإنه لم يخبر به. { فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: "فكَّ" بفتح الكاف، "رَقَبةً" نصب، "أو أطْعَمَ" بفتح الهمزة والميم على الماضي. وقرأ الآخرون "فكُّ" برفع الكاف، "رقبة" جرًا، "أو إطعام" [بكسر الهمزة، فألف بعد العين، ورفع الميم منونة] (2) على المصدر .
وأراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها، ومن أعتق رقبة كانت فداءه من النار.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني ابن الهادِ، عن عمر بن علي بن حسين، عن سعيد بن مرجانة قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه" (3) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السُّلمي، عن طلحة
__________
(1) أخرجه الطبري : 30 / 202 . وانظر : الدر المنثور : 8 / 523 .
(2) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(3) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: (أو تحرير رقبة) 11 / 599، ومسلم في العتق، باب فضل العتق برقم: (1509): 2 / 1148، والمصنف في شرح السنة: 9 / 351 - 352.

(8/432)


يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

بن مصَرِّف اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علِّمني عملا يدخلني الجنة، قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتِق النسمَة وفكَّ الرقبة"، قال: قلت: أَوَلَيْسَا واحدًا؟ قال: " لا عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمِنْحَة الوَكُوفُ (1) وأنفق (2) على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكفَّ لسلانك إلا من خير" (3) .
وقال عكرمة قوله: "فكُّ رقبةٍ"، يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة "أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبة" ، مجاعة، يقال: سَغَب يَسْغُب سَغْبًا (4) إذا جاع.
{ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) }
{ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } أي ذا قرابة، يريد يتيمًا بينك وبينه قرابة. { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } قد لصق بالتراب من فقره وضره. وقال مجاهد عن ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. و"المتربة" مصدر تَرِبَ يَتْرَبُ تَرَبًا وَمَتْرَبَةُ إذا افتقر. { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } بين أن هذا القُرَب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل: "ثم" بمعنى الواو، { وَتَوَاصَوْا } أوصى بعضهم بعضًا، { بِالصَّبْر } على فرائض الله وأوامره، { وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } برحمة الناس. { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ } مطبقة عليهم أبوابها، لا يدخل فيها رَوْح ولا يخرج منها غم.
__________
(1) أي غزيرة اللبن.
(2) في "ب" والفيء.
(3) أخرجه البيهقي في السنن: 10 / 273، والإمام أحمد: 4 / 299، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 217 ووافقه الذهبي وابن حبان صفحة: (294) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 9 / 354. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 240: "رواه أحمد ورجاله ثقات".
(4) ويقال أيضا: سَغِبَ يَسْغَبُ سَغَبًا.

(8/433)


قرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص: بالهمزة هاهنا، وفي الهُمَزَة، وقرأ الآخرون بلا همز، وهما لغتان، يقال: آصدت الباب وأوصدته، إذا أغلقته وأطبقته، وقيل: معنى الهمز المطبقة وغير الهمز المغلقة (1) .
__________
(1) قال الإمام أبو زرعة ابن زنجلة في كتابه "حجة القراءات" صفحة (766) "فمن همزه جعله (مُفْعُلَة) من (آصدت الباب) أي: أطبقته، مثل آمنت. فاء الفعل همزة، تقول: آصد يُوصِد إيصادا. ومن ترك الهمز جعله من (أوصد يوصد إيصادا) فاء الفعل واو. قال الكسائي أوصدت الباب وآصدته إذا رددته".

(8/434)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )