النبأ - تفسير البغوي

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)

سورة النبأ مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ (5) }
{ عَمَّ } أصلَه: "عن ما" فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف "ما" [كقوله] (2) "فيم" و"بم"؟ { يَتَسَاءَلُونَ } أي: عن أي شيء يتساءلون، هؤلاء المشركون؟ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ قال الزَّجاج: اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت [أمره] (3) وشأنه. ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال: { عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } قال مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله: قوله: "قل هو نبأ عظيم" (ص-67) وقال قتادة: هو البعث. { الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } فمصدّق ومكذّب { كَلا سَيَعْلَمُونَ } "كلا" نفي لقولهم، "سيعلمون" عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور. { ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ } وعيد لهم على أثر وعيد. وقال الضحاك: "كلا سيعلمون" يعني الكافرين، "ثم كلا سيعلمون" يعني: المؤمنين، ثم ذكر صنعائه ليعلموا توحيده فقال: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا }
{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) }
{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا } فراشًا.
__________
(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة (عم يتساءلون) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 389.
(2) في "ب" كقولهم.
(3) ساقط من "ب".

(8/309)


{ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا } للأرض حتى لا تميد. { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } أصنافًا ذكورًا وإناثًا. { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج: "السبات" أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جعلنا نومكم قطعًا لأعمالكم، لأن أصل السبت: القطع. { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته. { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } المعاش: العيش، وكل ما يعاش فيه فهو معاش، أي جعلنا النهار سببًا للمعاش والتصرف في المصالح. قال [ابن عباس] (1) يريد: تبتغون فيه من فضل الله، وما قسم لكم من رزقه. { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا } يريد سبع سماوات. { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا } [يعني الشمس] (2) { وَهَّاجًا } مضيئًا منيرًا. قال الزجاج: الوهاج: الوقاد. قال مقاتل: جعل فيه نورًا وحرارةً، والوهج يجمع النور والحرارة. { وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ } قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس.
قال الأزهري: هي الرياح ذوات 183/أ الأعاصير، فعلى هذا التأويل تكون "من" بمعنى الباء أي بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر.
وقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: المعصرات هي السحاب وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.
__________
(1) في "ب" ابن مسعود.
(2) ساقط من "ب".

(8/312)


لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)

قال الفراء: [المعصرات السحائب] (1) [التي] (2) تتحلب بالمطر ولا تمطر، كالمرأة المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض (3) .
وقال ابن كيسان: هي المغيثات من قوله "[فيه يغاث الناس] وفيه يعصرون".
وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان: "من المعصرات" أي من السماوات.
{ مَاءً ثَجَّاجًا } أي صبابًا، وقال مجاهد: مدرارًا. وقال قتادة: متتابعًا يتلو بعضه بعضًا. وقال ابن زيد: كثيرًا.
{ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) }
{ لِنُخْرِجَ بِهِ } أي بذلك الماء { حَبًّا } وهو ما يأكله الناس { ونباتًا } ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام. { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } ملتفة بالشجر، واحدها لَفٌ وليف، وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفَّا، وجمعها لُفٌ، بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف. { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } يوم القضاء بين الخلق { كَانَ مِيقَاتًا } لما وعد الله من الثواب والعقاب. { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا } زمرًا [زمرًا] (4) من كل مكان للحساب. { وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ } قرأ أهل الكوفة: "فُتِحَتِ" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي شُقَّت لنزول الملائكة { فَكَانَتْ أَبْوَابًا } أي ذات أبواب. وقيل: تنحلّ، وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق.
__________
(1) في "ب" المعصر السحابة.
(2) زيادة من "ب".
(3) انظر: "القرطين" لابن مطرف: 2 / 200.
(4) ساقط من "ب".

(8/313)


وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)

{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَال فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) }
{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ } عن وجه الأرض { فَكَانَتْ سَرَابًا } أي هباءً منبثًا لعين الناظر كالسراب. { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا } طريقًا وممرًا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار.
وقيل: "كانت مرصادا" أي: معدة لهم، يقال: أرصدت له [الشيء] (1) إذا أعددته له.
وقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. "والمرصاد" المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. وقوله: "إن جهنم كانت مرصادا" أي ترصد الكفار.
وروى مقسم عن ابن عباس: أن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن [أجابها] (2) تامة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن [أجابها] (3) تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن [أجابها] (4) تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن [أجابها] (5) تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ منه انطلق به إلى الجنة. { َّ لِلطَّاغِين } للكافرين { مَآبًا } مرجعا يرجعون إليه. { لابِثِينَ } قرأ حمزة ويعقوب: "لَبِثْينَ" بغير ألف، وقرأ العامة "لابثين" [بالألف] (6) وهما لغتان. { فِيهَا أَحْقَابًا } جمع حُقب، والحُقب الواحد: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة (7) . روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال مجاهد: "الأحقاب" ثلاثة وأربعون حقبًا كل حقب سبعون خريفًا، كل خريف سبعمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة.
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) في "ب" جاء بها.
(3) في "ب" جاء بها.
(4) في "ب" جاء بها.
(5) في "ب" جاء بها.
(6) ساقط من "ب".
(7) انظر: الطبري: 30 / 11.

(8/314)


لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)

قال الحسن: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: "لابثين فيها أحقابا" فوالله ما هو إلا [إذا] (1) مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود (2) .
وروى السدي عن مُرَّة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا.
وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها "فلن نزيدكم إلا عذابا" يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل (3) .
{ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (24) إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) }
{ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا } روي عن ابن عباس: أن البرد النوم، ومثله قال الكسائي و[قال] (4) أبو عبيدة، تقول العرب: منع البرد، البردَ أي أذهب البرد النوم. وقال الحسن وعطاء: "لا يذوقون فيها بردًا" أي: روحًا وراحة. وقال مقاتل: "لا يذوقون فيها بردًا" ينفعهم من حر، "ولا شرابًا" ينفعهم من عطش. { إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا } قال ابن عباس: "الغساق" الزمهرير يحرقهم ببرده. وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة "ص" (5) { جَزَاءً وِفَاقًا } أي جزيناهم جزاء وافق أعمالهم. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. { إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا } لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون. { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي بما جاءت به الأنبياء { كِذَّابًا } تكذيبًا، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون في مصدر التفعيل فِعَّال وقال: قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) انظر: الطبري: 30 / 11-12.
(3) قال الطبري: 30 / 12: "ولا معنى لهذا القول لأن قوله (لابثين فيها أحقابا) خبر، والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي".
(4) ساقط من "أ".
(5) "وغساق": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: "وغسَّاق" حيث كان بالتشديد، وخففها الآخرون، فمن شدد جعله اسمًا على فَعَّال، نحو: الخباز والطباخ، ومن خفف جعله اسمًا على فَعَال نحو العذاب.
واختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما تحرقهم النار بحرّها.
وقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده.
وقيل: هو المنتن بلغة الترك.
وقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار، ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غَسِقَتْ عينه إذا انصبَّت، والغسقان الانصباب.

(8/315)


فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)

إليك أم القِصَّار؟ (1) . { وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا } أي وكل شيء من الأعمال بيَّناه في اللوح المحفوظ، كقوله: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" (يس-12) .
{ فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا (30) }
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 229.

(8/316)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )