الواقعة - تفسير البغوي

إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)

{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) }
{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } . قوله عز وجلّ: { فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } ، قال أكثر المفسرين: معناه: أقسمُ و"لا" صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: فَلأقْسِمُ على التحقيق. وقيل: قوله "فلا " رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم، فقال: { أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } قرأ حمزة والكسائي: "بموقع" على التوحيد. وقرأ الآخرون بمواقع على الجمع. قال ابن عباس: أراد نجوم القرآن، فإنه كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقًا نجومًا. وقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ومساقطها. وقال عطاء بن أبي رباح: أراد منازلها. وقال الحسن: أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة.
{ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ } ، يعني هذا الكتاب وهو موضع القسم. { لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } عزيز مكرم لأنه كلام الله. قال بعض أهل المعاني: الكريم الذين من شأنه أن يعطي الخير الكثير. { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } مصون عند الله في اللوح المحفوظ، محفوظ من الشياطين.

(8/22)


لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)

{ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) }
{ لا يَمَسُّهُ } أي ذلك الكتاب المكنون، { إِلا الْمُطَهَّرُونَ } وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة، يروى هذا عن أنس، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة وابن زيد: أنهم الملائكة، وروى حسان عن الكلبي قال: هم السفرة الكرام البررة.
وروى محمد بن الفضيل 152/أ عنه لا يقرؤه إلا الموحِّدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن.
قال الفَّراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به (1) .
وقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات، وظاهر الآية نفيٌ ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسُّهُ، وهو قول عطاء وطاووس، وسالم، والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه. والأول قول أكثر الفقهاء.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) .
والمراد بالقرآن: المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع. كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" (3) . وأراد به المصحف .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 130.
(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن: 1 / 199. وقال ابن عبد البر: "لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث. وقد روي مسندا من وجه صالح. وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد. ورواه أبو داود في المراسيل صفحة: (131) من حديث الزهري قال: قرأت صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبها لعمرو بن حزم حين أمره على نجران وساق الحديث وفيه ... ولا يمسن القرآن إلا طاهر. ثم قال: روي مسندا ولا يصح" . ورواه الدرامي في الطلاق، باب لا طلاق قبل نكاح: 2 / 84 .
(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو: 6 / 133، ومسلم في الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم برقم: (1869): 3 / 1490 والمصنف في شرح السنة: 4 / 527 .

(8/23)


تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)

{ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) }
{ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي القرآن منزل من عند رب العالمين. سُمِّي المنزل: تنزيلا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قَدْر، وللمخلوق: خَلْق. { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ } يعني القرآن { أَنْتُم } يا أهل مكة { مُدْهِنُونَ } قال ابن عباس: مكذبون. وقال مقاتل بن حيان: كافرون نظيره: "ودُّوا لو تدهن فيدهنون" (القلم -9) والمدهن والمداهن: الكذاب والمنافق وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر هذا أصلهُ، ثم قيل للمكذب: مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر. { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ } حظكم ونصيبكم من القرآن { أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } قال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. وقال جماعة من المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون.
وقال الهيثم بن عدي: إن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان بمعنى ما شكر وهذا في الاستسقاء بالأنواء، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مُطِرْنا بنَوْء كذا، ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي: شكركم بما رزقتم، يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد ابن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب" (1) . ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد: فنزلت هذه الآية "فلا أقسم بمواقع النجوم" إلى قوله: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" (2) (الواقعة -82) .
__________
(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: 1 / 192، ومن طريقه أخرجه البخاري في الأذان، باب ما يستقبل الإمام الناس إذا سلم: 2 / 333، وفي الاستسقاء: 5222، وفي المغازي: 7 / 439، ومسلم في الإيمان، باب كفر من قال: مطرنا بالنوء برقم: (71): 1 / 83 - 84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 419 - 420 .
(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه برقم: (71):1 / 84. وانظر فتح الباري: 2 / 523.

(8/24)


فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، أخبرنا أبو يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله تعالى الغيث فيقولون: مطرنا بكوكب كذا وكذا" (1) .
{ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) }
قوله عز وجل: { فَلَوْلا } فهلا { إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } أي بلغت النفس الحلقوم عند الموت. { وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ } يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون إليه متى تخرج نفسه. وقيل: معنى قوله "تنظرون" أي إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا. { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ } بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم { وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ } الذين حضروه. { فَلَوْلا } فهلا { إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } مملوكين وقال أكثرهم: محاسبين ومجزيين. { تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله: "فلولا إذا بلغت الحلقوم" وعن قوله: "فلولا إن كنتم غير مدينين" بجواب واحد. ومثله قوله عز وجل: "فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم" (البقرة -38) أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر كما تقولون -أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي -فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل فآمنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال: { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } وهم السابقون . { فَرَوْح } قرأ يعقوب "فروح" بضم الراء
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء برقم: "72": 1 / 84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 418 - 419 .

(8/25)


وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92)

والباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة: الروح الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم.
ومن قرأ بالفتح معناه: فله رَوْح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة.
{ وَرَيْحَانٌ } استراحة . وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: هو الرزق بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان اللهُ أي رزق الله.
وقال آخرون: هو الريحان الذي يشَمُّ. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. (1) .
{ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } قال أبو بكر الوراق: "الرَّوح" النجاة من النار، و"الريحان" دخول دار القرار.
{ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) }
{ وَأَمَّا إِنْ كَانَ } المتوفى { مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم، فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة.
قال مقاتل: 152/ب هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم.
وقال الفراء وغيره: (2) مسلَّم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب اليمين: مسلَّم لك إنك من أصحاب اليمين وألفيت إن كالرجل يقول إني مسافر عن قليل، فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: "فسلام لك" أي عليك من أصحاب اليمين. { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ } بالبعث { الضَّالِّينَ } عن الهدى وهم أصحاب المشئمة.
__________
(1) أورد هذه الأقوال الطبري: 27 / 211 - 212 ثم قال مرجحا: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالروح: الفرح والرحمة والمغفرة وأصله من قولهم: وجدت روحا: إذا وجد نسيما يستروح إليه من كرب الحر، وأما الريحان: فإنه عندي الريحان الذي يتلقى به عند الموت، كما قال أبو العاليه والحسن، ومن قال في ذلك نحو قولهما لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانية".
(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 131 بتصرف.

(8/26)


فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

{ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) }
{ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ } فالذي يعد لهم حميم جهنم. { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } وإدخال نار عظيمة. { إِنَّ هَذَا } يعني ما ذكر من قصة المحتضرين { لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } أي الحق اليقين أضافه إلى نفسه. { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } قيل: فصلِّ بذكر ربك وأَمْرِه وقيل: "الباء" زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم.
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا ابن أبي شيبة، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم "فسبح باسم ربك العظيم" قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت "سبح اسم ربك الأعلى" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم" (1) .
أخبرنا أبو عثمان الضبي أخبرنا أبو محمد الجراحي حدثنا أبو العباس المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن المُسْتَوْرِد، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ" (2) .
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في الإقامة، باب التسبيح في الركوع والسجود برقم: (887): 1 / 287، والدرامي في الصلاة، باب ما يقال في الركوع: 1 / 299، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1 / 235، والبيهقي في السنن: 2 / 86، وصححه ابن حبان ص135 - 136، والحاكم: 1 / 225، 2 / 477 ووافقه الذهبي، الإمام أحمد في المسند: 4 / 155، والطيالسي في مسنده ص135. وأخرجه بنحوه أبو داود في الصلاة، باب ما يقول في ركوعه وسجوده: 1 / 418 وزاد فيه: فكان رسول صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا ... وقال: وهذه الزيادة نخاف ألا تكون محفوظة . وانظر: نصب الراية: 1 / 376، تلخيص الجبير: 2 / 242 - 243، تنقيح التحقيق لابن الجوزي: 2 / 880، إرواء الغليل: 2 / 40 - 41 .
(2) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ماجاء في التسبيح في الركوع والسجود: 2 / 121 وقال: "هذا حديث حسن صحيح" . وأخرجه مسلم مطولا في صلاة المسافرين وقصرها برقم: (772): 1 / 536 - 537، والمصنف في شرح السنة: 3 / 100.

(8/27)


أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (1) .
أخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجُلْفري حدثني أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي بدمشق، حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان بن حَذلَم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة". (2)
أخبرنا عبد الواحد المليحي قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا" (3) وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا.
__________
(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم:11 / 566، ومسلم في الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم: (2694): 4 / 2072، والمصنف في شرح السنة:5 / 42.
(2) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب فضل سبحان الله: 4 / 433 وقال: "هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر"، وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم: (2335): ص580، والحاكم: 1 / 501- 502 ووافقه الذهبي، ورواه البزاز عن عبد الله بن عمرو بإسناد جيد. انظر: مجمع الزوائد: 1 / 94.
(3) رواه الحارث بن أبي أسامة، وقال البوصيري: "رواه الحارث عن العباس بن الفضل وهو ضعيف. ورواه أبو يعلى بسند رواته ثقات" . انظر: المطالب العالية: 3 / 383 مع حاشية المحقق. وقال في الكافي الشاف ص163: "ثم اختلفوا في ضبط أبي ظبية فعند الدراقطني بالطاء المهملة بعدها تحتانية، ثم موحدة وأنه عيسى بن سليمان الجرجاني وأن روايته عن ابن مسعود منقطعة. ويؤيده أن الثعلبي أخرجه من طريق أبي بكر العطاردي عن السري عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني. وعند البيهقي أنه بالمعجمة بعدها موحدة، ثم تحتانية، وأنه مجهول. وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. وشجاع لا أعرفه" .

(8/28)


سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)

سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يحْيِي وَيمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) }
{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } يعني هو "الأول" قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو ولم يكن شيء موجودًا و"الآخر" بعد فناء كل شيء، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو، و"الظاهر" الغالب العالي على كل شيء و"الباطن" العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس .
وقال يمان: "هو الأول" القديم و"الآخر" الرحيم و"الظاهر" الحليم و"الباطن" العليم.
وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرَّفك توحيده، والآخر بجوده إذْ عرَّفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذْ وفقك للسجود لهُ والباطن بستره إذْ عصيته فستر عليك.
وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر -رضي الله تعالى عنه -كعبًا عن هذه الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن.
__________
(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مرودية والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة انظر: الدر المنثور: 8 / 45.

(8/29)


{ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير ابن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقضِ عني الدين واغنني من الفقر" (1) . وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم: (2713): 4 / 2084.

(8/32)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )