الواقعة - تفسير البغوي

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60)

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نزلهمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) }
{ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: "شُرب" بضم الشين. وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان، فالفتح على المصدر، والضم اسم بمعنى المصدر كالضَّعف والضُّعف و "الهيم" الإبل العطاش، قال عكرمة وقتادة: الهيام: داء يصيب الإبل لا تروى معه، ولا تزال تشرب حتى تهلك. يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء، والإبل هيم. وقال الضحاك وابن عيينة: "الهيم" الأرض السهلة ذات الرمل.
{ هَذَا نزلهمْ } يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم، { يَوْمَ الدِّينِ } يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله: { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ } قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك 151/ب { فَلَوْلا } فهلا { تُصَدِّقُونَ } بالبعث. { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } تصبون في الأرحام من النطف. { أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ } يعني أأنتم تخلقونه ما تمنون بشرًا { أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا } قرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وهما لغتان { بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ } قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيًا وشابًا. وقال الضحاك: تقديره: إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء، فعلى هذا يكون معنى "قدَّرنا": قضينا.
{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك قوله عز وجل: { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ }

(8/19)


عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)

{ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) }
فذلك قوله عز وجل: { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ } يعني: نأتي بخلق مثلكم بدلا منكمُ، { وَنُنْشِئَكُم } نخلقكم { فِي مَا لا تَعْلَمُونَ } من الصور، قال مجاهد: في أي خلق شئنا (1) .
وقال الحسن: أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بمن كان قبلكم (2) يعني: إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك. وقال سعيد بن المسيب: "فيما لا تعلمون" يعني: في حواصل طير سود، تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن (3) . { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاولَى } الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئًا. { فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ } أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم. { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ } يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذر. { أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ } تنبتونه { أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } المنبتون. { لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا } قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه وقيل: هشيمًا لا ينتفع به في مطعم وغذاء { فَظَلْتُم } وأصله: فظللتم حذفت إحدى اللامين تخفيفا. { تَفَكَّهُونَ } تتعجبون بما نزل بكم في زرعكم [وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل. وقيل تندمون على نفقاتكم] (4) وهو قول يمان نظيره: "فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها" (الكهف -42) وقال الحسن: تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت تلك العقوبة. وقال عكرمة : تتلاومون. وقال ابن كيسان: تحزنون. قال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو من الأضداد، تقول العرب: "تفكهت" أي: تنعمت و"تفكهت" أي: حزنت. { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } قرأ أبو بكر عن عاصم "أئنا" بهمزتين وقرأ الآخرون على الخبر، ومجاز الآية: فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرمون. وقال مجاهد وعكرمة لمولَع بنا. وقال ابن عباس
__________
(1) أخرجه الطبري: 27 / 197 ، وزاد السيوطي في الدرالمنثور: 8 / 23عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 211 ، القرطبي: 17 / 217.
(3) انظر: القرطبي: 17 / 217 .
(4) ما بين القوسين ساقط من "أ".

(8/20)


بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)

وقتادة: معذبون، والغرام العذاب. وقال الضحاك وابن كيسان: غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمًا علينا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، وهو قوله:
{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) }
{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } محدودون ممنوعون، أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع. { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ } السحاب، واحدتها: مُزْنَة { أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ اجَاجًا } قال ابن عباس: شديد الملوحة، قال الحسن: مُرًّا. { فَلَوْلا تَشْكُرُونَ } { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } تقدحون وتستخرجون من زَنْدكم. { أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } التي تقدح منها [النار] (1) وهي المرخ والعفار { أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } [يعني نار الدنيا] (2) تذكرة للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر جهنم قاله عكرمة ومجاهد ومقاتل. وقال عطاء: موعظة يتعظ بها المؤمن.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيهُ حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم" قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا" (3) .
{ وَمَتَاعًا } بُلْغة ومنفعة { لِلْمُقْوِينَ } المسافرين و"المقوي": النازل في الأرض والقِيُّ والقوا هو: القفر الخالية البعيدة من العمران، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها. والمعنى: أنه ينتفع
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) ساقط من "أ".
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم: 2 / 994 ، والبخاري في بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة: 6 / 330، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب في شدة حر نار جهنم برقم: (2843): 4 / 2184، والمصنف في شرح السنة: 15/239.

(8/21)


فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)

بها أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك أنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضُّلال وغير ذلك من المنافع، هذا قول أكثر المفسرين.
وقال مجاهد وعكرمة: "للمقوين" يعني للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز.
قال الحسن: بُلْغة للمسافرين، يتبلغون بها إلى أسفارهم، يحملونها في الخرق والجواليق.
وقال ابن زيد: للجائعين تقول العرب: أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت شيئا.
قال قطرب: "المقوي" من الأضداد، يقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، ويقال للغني: مقوٍ، لقوَّته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابه وكثر مالهُ، وصار إلى حالة القوة. والمعنى أن فيها متاعًا للأغنياء والفقراء جميعًا لا غنى لأحد عنها.
{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) }

(8/22)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )