النجم - تفسير البغوي

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)

سورة النجم مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) }
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهُويُّه مَغِيبه والعرب تسمي الثريا نجمًا.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رُفع" (2) وأراد بالنجم الثريا.
وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نَجَمَ السِّنُّ والقرنُ والنبتُ: إذا طلع.
وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما تُرمى به الشياطين عند استراقهم السمع.
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة النجم بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 639.
(2) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 341 و388 بلفظ: (إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة). ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير (5 / 454) مع فيض القدير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 103 "رواه كله أحمد والطبراني في الصغير ولفظه: "إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلد" وبنحوه في الأوسط، وفيه عسل بن صفوان: وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح". وأخرجه الإمام محمد بن الحسن الشيباني بسند رجاله ثقات في كتاب الآثار صفحة:(159)، والطحاوي في مشكل الآثار: (3 / 91). وأخرجه ابن عدي في الكامل: 7 / 2478. وانظر: مشكل الآثار:3 / 92، شرح مسند أبي حنيفة لملا على القاري صفحة: (141)، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 1 / 389-390.

(7/397)


مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)

وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجمًا لأنه نزل نجومًا متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيمًا، والمفرَّق: مُنَجَّمًا، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي.
"الهُوِّيُّ": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: "النجم" هو النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: "والنجم والشجر يسجدان"( الرحمن-6 ) ، وهُويُّه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم إذ نزل من السماء ليلة المعراج، و"الهوي": النزول، يقال: هوى يهوي هويًا [إذا نزل] (1) مثل مضى يمضي مضيًا.
{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى (7) }
وجواب القسم: قوله: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى { وَمَا غَوَى. } { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه.
{ إِنْ هُوَ } ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن { إِلا وَحْيٌ يُوحَى } أي: وحي من الله يوحى إليه.
142/ب { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } جبريل، والقوى جمع القوة.
{ ذُو مِرَّةٍ } قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. { فَاسْتَوَى } يعني: جبريل.
{ وَهُو } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون (2) استوى هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا"( النمل-67 ) عطف الآباء على المكنى في "كنَّا" من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج { بِالأفُقِ الأعْلَى } وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: "فاستوى" يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه
__________
(1) زيادة من "ب".
(2) في النسختين: فيقول.

(7/400)


ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)

الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيًا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله: "ثم دنا فتدلى" وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1) .
{ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) }
قوله عز وجل: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } اختلفوا في معناه:
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"؟ قالت: "ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق" (2) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيباني قال: سألت زِرًّا عن قوله: "فكان قاب قوسين أو أدنى"، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن مسعود-أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح (3) .
فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض "فتدلى" فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه "قاب قوسين أو أدنى"، بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو (4) .
وقال آخرون: ثم دنا الربُّ عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب
__________
(1) انظر: القرطبي: 17 / 87.
(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم "آمين" والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه: 6 / 313.
(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى)8 / 610 وفي بدء الخلق: 6 / 313.
(4) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي:2 / 187-188، معاني القرآن للفراء: 3 / 95-96.

(7/401)


فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)

قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبدالله عن أنس: ودنا الجبار ربُّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى (1) . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، "والتدلي" هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه.
وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه (2) .
وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى قوله: "قاب قوسين" أي قدر قوسين، و"القاب" و"القيب" و"القاد" و"القيد": عبارة عن المقدار، و"القوس": ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوَتَر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.
وقال عبد الله بن مسعود: "قاب قوسين" أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و"القوس": الذراع يقاس بها كل شيء، "أو أدنى": بل أقرب.
{ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) }
{ فَأَوْحَى } أي: أوحى الله { إِلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل (3) .
قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: "ألم يجدك يتيمًا فآوى"( الضحى-6 ) إلى قوله تعالى: "ورفعنا لك ذكرك"،( الشرح-4 ) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (4) .
__________
(1) لمعرفة ما قاله أهل العلم في رواية شريك بن عبدالله وأوهامه في ألفاظ حديث المعراج انظر: فتح الباري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: (وكلم الله موسى تكليما): 13 / 478-480، ابن كثير: 4 / 250، الأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 187.
(2) انظر: الأسماء والصفات: 2 / 188.
(3) انظر: الطبري:27 / 47، الأسماء والصفات: 2 / 182.
(4) ذكر القولين الحافظ ابن كثير: 4 / 250.

(7/402)


مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)

{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) }
{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } قرأ أبو جعفر "ما كذَّب الفؤاد" بتشديد الذال أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زِرٍّ عن عبدالله قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (1) .
وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: "ما كذب الفؤاد ما رأى". "ولقد رآه نزلة أخرى" قال: رآه بفؤاده مرتين (2) .
وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه 143/أ وهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه (3) ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرؤية (4) .
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم يَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام:
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158، والبخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى): 8 / 610.
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى000) برقم: (176): 1 / 158.
(3) ذكر ذلك ابن كثير:4 / 251 وقال: "فيه نظر والله أعلم" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 647 لابن مردويه.
(4) أخرجه الطبري: 27 / 48.

(7/403)


أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"،( الأنعام-103 ) "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب"( الشورى-51 ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا"( لقمان-34 ) ومن حدثك أنه كتم شيئًا فقد كذب، ثم قرأت: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"( المائدة-67 ) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين (1) .
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبدالله بن [شقيق] (2) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ رَبَّكَ؟ قال: "نورٌ أَنَّى أراه" (3) .
{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) }
{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "أفتمرونه" بفتح التاء [وسكون الميم] (4) بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريتَ الرجلَ حقَّه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: "أفتمارونه" بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه .
{ وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى } يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.
{ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } وعلى قول ابن عباس معنى: "نزلة أخرى" هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسأله التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه
__________
(1) أخرجه البخاري في التفسير-تفسير سورة النجم: 8 / 606.
(2) في "أ" سفيان وهو خطأ.
(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا. برقم: (178): 1 / 161.
(4) زيادة من "ب".

(7/404)


في بعضها، وروينا عنه: "أنه رأى ربه بفؤاده مرتين" (1) وعنه: "أنه رأى بعينه" (2) قوله: "عند سدرة المنتهى" روينا عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: "عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى"، قال: فراش من ذهب (3) .
وروينا في حديث المعراج: "ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" (4) .
"والسدرة" شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق. قال هلال بن [يساف] (5) : سأل ابن عباس كعبًا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (6) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى، قال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال" (7) .
وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله تعالى في سورة الرعد .
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى00) برقم: (176):1 / 158.
(2) ساق الحافظ ابن كثير رواية الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما "رأيت ربي عز وجل" وقال: "حديث إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام": 4 / 252، ثم قال في الصفحة التالية: "وتقدم أن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية (ولقد رآه نزلة أخرى) وتابعه جماعة من السلف والخلف وقد خالفه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وغيرهم".
(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (173): 1 / 157.
(4) قطعة من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في المعراج، أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة،6 / 302-303، ومسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات برقم: (162): 1 / 145-147.
(5) في "ب" يسار والصحيح ما أثبتناه.
(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 لابن أبي شيبة.
(7) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثمار الجنة: 7 / 248-249 وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، والطبري: 27 / 54-55، والحاكم: 2 / 469 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 عزوه لابن مردويه.

(7/405)


عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)

{ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) }
{ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء.
{ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } قال ابن مسعود: فراش من ذهب.
وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إليّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة" (1) .
وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل (2) . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: "رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى" (3) .
{ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينًا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا.
{ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: "لنريه من آياتنا"،( الإسراء-1 ) وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا
__________
(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم000 برقم: (162): 1 / 145-146.
(2) أخرجه الطبري: 27 / 56، وانظر تفسير ابن كثير: 4 / 253.
(3) أخرجه الطبري: 27 / 56.

(7/406)


أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)

شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبدالله قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: رأى (1) جبريل في صورته له ستمائة جناح (2) .
وأخبرنا عبدالواحد المليحي، 143/ب أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [عن عبدالله] (3) "لقد رأى من آيات ربه الكبرى"؟ قال: رأى رفرفًا أخضر سَدَّ أُفُقَ السماء (4) .
{ أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (19) }
قوله عز وجل: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى } هذه أسماء (5) أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما "اللات" قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده (6) .
وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللات" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه (7) .
وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ويجمع رِسْلَها (8) ثم يتخذ منها حيسًا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات (9) .
وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات.
وأما "العزى": قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها بالفأس ويقول:
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158.
(3) ساقط من "أ".
(4) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) 8 / 611.
(5) ساقط من "أ".
(6) ذكر هذين القولين الطبري: 27 / 58-59.
(7) أخرج البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (أفرأيتم اللات والعزى): 8 / 611 المقطع الأول (كان اللات رجلا يلت سويق الحاج).
(8) الرسل: اللبن.
(9) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 653 لسعيد بن منصور والفاكهي.

(7/407)


وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)

يا عزّ كفرانَك لا سبحانَك
إني رأيت اللهَ قد أهانَك
فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها.
ويقال: إن خالدًا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدا" (1) .
وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها.
وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.
{ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (20) }
{ وَمَنَاة } قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن العرب سَمَّتْ زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها (2) .
واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء.
__________
(1) عزاه صاحب الفتح السماوي: 3 / 907 لابن مردويه.
(2) ذكر بعض هذه الأقوال: الطبري"27 / 59-60، البحر المحيط: 8 / 161، زاد المسير: 8 / 72، ثم قال صاحب البحر المحيط: 8 / 161 بعد أن ذكر ما قيل في مواضع هذه الأصنام: "هذا اضطراب كثير في هذه الأوثان ومواضعها والذي يظهر أنها كانت ثلاثتها في الكعبة لأن المخاطب بذلك في قوله (أفرأيتم)هم قريش".

(7/408)


أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)

وأما قوله: { الثَّالِثَةَ الأخْرَى } [فالثالثة] (1) نعت لمناة، أي: الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: "مآرب أخرى"( طه-18 ) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة.
ومعنى الآية: "أفرأيتم": أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك.
{ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) }
فقال الله تعالى منكرًا عليهم: { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة.
قرأ ابن كثير: "ضئزى" بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز.
قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزًا، وضاز يضوز ضوزًا، وضاز يُضَاز ضازًا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوًا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.
{ إِنْ هِيَ } ما هذه الأصنام { إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } في قولهم إنها آلهة { وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ } وما زين لهم الشيطان { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار.
__________
(1) زيادة من "ب".

(7/409)


أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)

{ أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) }

(7/410)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )