الفتح - تفسير البغوي

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)

سورة الفتح مدنية (1)
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) }
بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا }
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر نزرتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر". (2)
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" إلى آخر الآية، مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطهم الحزن والكآبة، فقال: "نزلت عليّ آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا"، فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا لك قد بَيَّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار"، حتى ختم الآية. (3)
__________
(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 507 لابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي.
(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية....: 7 / 452 ومعنى "نزرت": ألححت.
(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية....: 7 / 450-451، ومسلم في الجهاد، باب صلح الحديبية برقم: (1786): 3 / 1413، والمصنف في شرح السنة: 14 / 222.

(7/293)


اختلفوا في هذا الفتح: روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس: أنه فتح مكة، وقال مجاهد: فتح خيبر (1) .
والأكثرون على أنه صلح الحديبية. (2)
ومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرًا حتى فتحه الله عز وجل. ورواه شعبة عن قتادة عن أنس: "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا"، قال: الحديبية.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (3) .
وقال الشعبي في قوله: "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا"، قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطْعِموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. (4)
قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام (5) .
قوله عز وجل: "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" ، أي قضينا لك قضاء بَيِّنًا. وقال الضحاك: إنا
__________
(1) في الدر المنثور: 7 / 508 عن أنس.
(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 89.
(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية...: 7 / 441.
(4) انظر: البحر المحيط: 8 / 89، الدر المنثور: 7 / 510.
(5) انظر: البحر المحيط: 8 / 89، الدر المنثور: 7 / 510.

(7/296)


لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)

فتحنالك فتحًا مبينًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح.
{ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) }
قيل: اللام في قوله: { لِيَغْفِرَ } لام كي، معناه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح.
وقال الحسين بن الفضل: هو مردود إلى قوله: "واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات"( محمد-19 ) " لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ " و"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات" الآية.
وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره"( النصر: 1-3 ) ليغفر لك 129/أ الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة، وما تأخر إلى وقت نزول هذه السورة (1) .
وقيل: { وَمَا تَأَخَّرَ } مما يكون، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على الأنبياء (2) .
__________
(1) انظر: الطبري: 26 / 68.
(2) قال القرطبي: 1 / 308-309 "واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياءِ -صلوات الله عليهم أجمعين- صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شين ونقص إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم، فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم. خلافًا للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية، لاسيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة. وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: الذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. منهم- صلوات الله وسلامه عليهم- وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه.

(7/297)


وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)

وقال سفيان الثوري: { مَا تَقَدَّمَ } مما عملت في الجاهلية، { وَمَا تَأَخَّرَ } كل شيء لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، كما يقال: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه.
وقال عطاء الخراساني: { مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ } يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، { وَمَا تَأَخَّرَ } ذنوب أمتك بدعوتك. (1)
{ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة والحكمة، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } أي يثبتك عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ويهديك أي يهدي بك.
{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) }
{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } غالبًا. وقيل: معزًا.
{ هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ } الطمأنينة والوقار، { فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } .
قال ابن عباس: بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم (2) ، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقًا إلى تصديقهم.
وقال الضحاك: يقينًا مع يقينهم.
قال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق.
{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .
__________
(1) انظر: القرطبي: 16 / 263.
(2) أخرجه الطبري: 26 / 72، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 514 عزوه لابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.

(7/298)


لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)

{ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (9) }

(7/299)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )