يس - تفسير البغوي

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) }
{ اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ } نصب "استكبارا" على البدل من النفور، { وَمَكْرَ السَّيِّئِ } يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة: "مكر السيئ" ساكنة الهمزة تخفيفا، وهي قراءة الأعمش، { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ } أي: لا يحل ولا يحيط المكر السيئ، { إِلا بِأَهْلِهِ } فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك. والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، { فَهَلْ يَنْظُرُونَ } ينتظرون، { إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ } إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار، { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا } { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } يعني: ليفوت عنه، { مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا } من الجرائم، { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا } يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور، { مِنْ دَابَّةٍ } كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح، { وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته.

(7/427)


يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)

سورة يس مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) }
{ يس } و"ن" قرأ بإخفاء النون فيهما: ابن عامر والكسائي وأبو بكر. قالون: يخفي النون من "يس" ويظهر من "ن"، والباقون يظهرون فيهما.
واختلفوا في تأويل { يس } حسب اختلافهم في حروف التهجي (2) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو قسم (3) ، ويروى عنه أن معناه: يا إنسان (4) بلغة طيء، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجماعة.
وقال أبو العالية: يا رجل. (5)
وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر.
{ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ }
{ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، أقسم بالقرآن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: "لست مرسلا" (الرعد-43) . { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، وهو خبر بعد خبر، أي: أنه من المرسلين وأنه على صراط مستقيم. وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم.
__________
(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة يس بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة. انظر: الدر المنثور: 7 / 37.
(2) انظر: الطبري 1 / 205-224، وانظر: فيما سبق 1 / 58-59.
(3) أخرجه الطبري: 22 / 148.
(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 41 لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر: البحر المحيط: 7 / 323.
(5) نقله الفراء في معاني القرآن 2 / 371 عن الحسن قال: "يس" يا رجل. وهو في العربية بمنزلة حرف الهجاء كقولك: حم وأشباهها.

(7/7)


تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)

{ تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) }
{ تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: "تنزيل" بنصب اللام كأنه قال: نزل تنزيلا وقرأ الآخرون بالرفع، أي: هو تنزيل العزيز الرحيم. { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ } ، قيل: "ما" للنفي أي: لم ينذر آباؤهم، لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: "ما" بمعنى الذي، أي: لتنذر قومًا بالذي أنذر آباؤهم، { فَهُمْ غَافِلُونَ } عن الإيمان والرشد. { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ } ، وجب العذاب { عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } ، هذا كقوله: "ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" (الزمر-71) . { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا } ، نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدًا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر، فأعمى الله تعالى بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه شيء كهيئة الفحل يخطر (1) بذنبه، لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " (2)
قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك. قال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" (الإسراء-29) معناه: لا تمسكها عن النفقة.
__________
(1) يخطر البعير أي: يرفع ذنبه مرة بعد أخرى ويضرب به فخذيه.
(2) أخرجه الطبري مختصرًا: 22 / 152، قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (139): "رواه ابن إسحاق في السيرة، وأبو نعيم في الدلائل من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس إلى قوله قد يبست يداه على الحجر... وأصله في البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما" وانظر: ابن كثير: 3 / 565، البحر المحيط: 7 / 324.

(7/8)


وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

{ فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ } ، "هي" كناية عن الأيدي -وإن لم يجر لها ذكر-لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، معناه: إنا جعلنا في أيديهم وأعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان، { فَهُمْ مُقْمَحُونَ } والمقمح: الذي رفع رأسه وغض بصره، يقال: بعير قامح إذا روى من الماء، فأقمح إذا رفع رأسه وغض بصره. وقال الأزهري: أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها.
{ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) }
{ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: "سدا" بفتح السين، وقرأ الآخرون بضمها، { فَأَغْشَيْنَاهُم } فأعميناهم، من التغشية وهي التغطية، { فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } سبيل الهدى.
{ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }
{ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ } ، يعني: إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر، يعني القرآن، فعمل بما فيه، { وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } حسن وهو الجنة. { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } ، عند البعث، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } من الأعمال من خير وشر، { وَآثَارَهُم } أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا". (1)
__________
(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الزكاة باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. برقم (1017) 2 / 704-705، والمصنف في شرح السنة: 6 / 159.

(7/9)


وقال قوم: قوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" أي: خطاهم إلى المسجد. (1)
روي عن أبي سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم". (2)
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري، حدثنا مروان الفزاري، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: "أرادت بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا". (3)
وأخبرنا 91/ب عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشًى والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام". (4)
قوله تعالى { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ } حفظناه وعددناه وبيناه، { فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ.
__________
(1) قال ابن كثير رحمه الله: 3 / 567: "وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم".
(2) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة يس: 9 / 94-95 وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري، وأبو سفيان هو طريف السعدي"، وصححه الحاكم 2 / 428 وأقره الذهبي، والطبري: 22 / 154، وابن أبي حاتم، كلهم من طريق الثوري. ورواه البزار من طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: 3 / 567: "وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم". وقارن بالصحيح المسند من أسباب النزول: ص(124).
(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب: كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة: 4 / 99، والمصنف في شرح السنة: 2 / 353.
(4) أخرجه البخاري في الأذان، باب: فضل صلاة الفجر في الجماعة 2 / 137، ومسلم في المساجد، باب: فضل كثرة الخطى إلى المساجد برقم (662) 1 / 460، والمصنف في شرح السنة: 2 / 353.

(7/10)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )