الأحزاب - تفسير البغوي

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)

سورة الأحزاب مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) }
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السُّلَمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي [بن سلول رأس المنافقين] (2) بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } (3) أي: دُمْ على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.
وقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة (4) .وقال الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم.
__________
(1) قال النحاس في معاني القرآن الكريم ص 317 (قال ابن عباس: وهي مدنية)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 558 أيضا لابن الضريس، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
(2) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(3) ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول ص 407 دون إسناد، ونقله القرطبي: 14 / 114 بصيغة التمريض عن الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم، وانظر معاني القرآن للفراء: 2 / 334 .
(4) انظر: البحر المحيط 7 / 210، زاد المسير: 6 / 348.

(6/312)


وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)

{ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } من أهل مكة، يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، { وَالْمُنَافِقِينَ } من أهل المدينة، عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن سعد، وطعمة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا } بخلقه، قبل أن يخلقهم، { حَكِيمًا } فيما دبره لهم.
{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) }
{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قرأ أبو عمرو: "يعملون خبيرًا" و "يعملون بصيرًا" بالياء فيهما، وقرأ غيره بالتاء. { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ثق بالله، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } حافظًا لك، وقيل: كفيلا برزقك. قوله عز وجل: { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } نزلت في أبي معمر، جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبًا حافظًا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال انهزموا، قال: فما لك إحدى 75/ب نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده (1) .
وقال الزهري ومقاتل هذا مَثَلٌ ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة للمظاهر أمَّه حتى تكون أُمَّان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين (2) .
__________
(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 407-408 دون إسناد، وانظر: البحر المحيط: 7 / 211، زاد المسير: 6 / 349.
(2) انظر: الطبري: 21 / 119، ثم قال مرجحا: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قوله من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قوله من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما ، على النحو الذي روي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وان يكون تكذيبا لمن سمى القرشي الذي ذكر أنه سمى ذا القلبين من دهيه، وأي الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة". وانظر: معاني القرآن الكريم للنحاس ص 318-320.

(6/316)


ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)

{ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } قرأ أهل الشام والكوفة: "اللاتي" ها هنا وفي سورة الطلاق بياء بعد الهمزة، وقرأ قالون عن نافع ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة، وقرأ الآخرون بتليين الهمزة، وكلها لغات معروفة، "تظاهرون" قرأ عاصم بالألف وضم التاء وكسر (1) الهاء مخففًا، [وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء مخففا] (2) وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد الظاء، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد الظاء والهاء من غير ألف بينهما.
وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. يقول الله تعالى: ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة نذكرها [إن شاء الله تعالى] (3) في سورة المجادلة.
{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ } يعني: من تبنيتموه { أَبْنَاءَكُمْ } فيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالإبن المولود له، يدعوه الناس إليه، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني (4) { ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وادعاء نسب لا حقيقة له، { وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ } أي: قوله الحق، { وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } أي: يرشد إلى سبيل الحق.
{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) }
{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ } الذين ولدوهم، { هُوَ أَقْسَطُ } أعدل، { عِنْدِ اللَّهِ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا معلي بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، أخبرنا موسى بن عقبة، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن (5) .
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) ما بين الأقواس ساقط من "أ".
(3) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(4) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 408 دون إسناد.
(5) أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحزاب، باب: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" 8 / 517، ومسلم في فضائل الصحابة باب: فضائل زيد بن حارثة برقم: (2425) 4 / 1884.

(6/317)


النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)

{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } [أي: فهم إخوانكم] (1) { فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } إن كانوا محررين وليسوا بِبَنِيكُم، أي: سمُّوهم بأسماء إخوانكم في الدين. وقيل: "مواليكم" أي: أولياءكم في الدين، { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه، { وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي.
وقال قتادة: "فيما أخطأتم به" أن تدعوه لغير أبيه، وهو يظن أنه كذلك. ومحل "ما" في قوله تعالى: "ما تعمدت" خفض ردًا على "ما" التي في قوله "فيما أخطأتم به" مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم.
{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" (2) .
{ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) }
قوله عز وجل: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعتهم أنفسهم (3) . وقال ابن زيد: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى فيهم، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. وقيل: هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه.
__________
(1) ما بين القوسين زيادة من "ب".
(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الطائف: 8 / 45، ومسلم في الإيمان، باب: بيان حال إيمان من يرغب عن أبيه وهو يعلم برقم: (63) 1 / 80، والمصنف في شرح السنة: 9 / 272.
(3) انظر: زاد المسير: 6 / 352.

(6/318)


وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم: نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية.
أخبرنا عبد الواحد عبد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، أخبرنا فليح، عن هلال بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة" ، اقرأوا إن شئتم { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا فليأتني فأنا مولاه" (1) .
قوله عز وجل: { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وفي حرف أُبيّ: "وأزواجه وأمهاتهم وهو أبٌ لهم" وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأييد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: "وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب" (الأحزاب-53) ، ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لأخوانهن وأخواتهن هم أخوال المؤمنين وخالاتهم (2) .
قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم يقل هي خالة المؤمنين (3) .
واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعا.
وقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها: قالت يا أُمّه! فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم (4) فبان بهذا معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
قوله عز وجل: { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } يعني: في الميراث، قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة. قال الكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت هذه الآية: { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (5) 76/أ في حكم الله، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الذين آخى رسول الله
__________
(1) أخرجه البخاري في الاستقراض، باب: الصلاة على من ترك دَينًا 5 / 61، ومسلم في الفرائض، باب: من ترك مالا فلورثته برقم: (1619) 3 / 1238 بمعناه، والمصنف في شرح السنة: 8 / 324.
(2) انظر القرطبي: 14 / 123.
(3) انظر القرطبي: 14 / 123.
(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 567 لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه، وانظر الكافي الشاف ص 132.
(5) انظر: ابن كثير في التفسير: 3 / 469، القرطبي: 14 / 123-124.

(6/319)


صلى الله عليه وسلم بينهم، { وَالْمُهَاجِرِينَ } يعني ذوي القرابات، بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت بالقرابة.
قوله: { إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } أراد بالمعروف الوصية [للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه] (1) .
وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة.
وقيل: أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة، يعني: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي: لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، أي: إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة (2) .
{ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } أي: كان الذي ذكرت من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. وقال القرظي: في التوراة.
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(2) ذكر هذه الأقوال الطبري: 21 / 124 ثم قال مرجحا: "وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: معنى ذلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار، معروفا من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كل ذلك من المعروف الذي حدث الله عليه عباده. وإنما اخترت هذا القول وقلت: هو أولى بالصواب من قيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك، لأن القريب من المشرك، وإن كان ذا نسب فليس بالمولى، وذلك لأن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليا بقول: "لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء ثم يصفهم جل ثناؤه بأنهم هم أولياء).

(6/320)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )