النمل - تفسير البغوي

طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)

سورة النمل مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
{ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (5) }
{ طس } قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقد سبق الكلام في حروف الهجاء (1) . { تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ } أي: هذه آيات القرآن، { وَكِتَابٌ مُبِينٌ } أي: وآيات كتاب مبين. { هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني: هو هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين المصدقين به بالجنة. { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } (2) . { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } القبيحة حتى رأوها حسنة، { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } أي: يترددون فيها متحيرين. { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ } شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، { وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.
__________
(1) انظر الدر المنثور: 1 / 58-59، والطبري: 1 / 205-224 بتحقيق محمود شاكر، ابن كثير: 1 / 36-39.
(2) انظر الدر المنثور: 1 / 62-63.

(6/140)


وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) }
{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ } أي: تؤتى القرآن وتلقن (1) { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي: وحيا من عند الله الحكيم العليم. قوله عز وجل: { إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ } أي: واذكر يا محمد (2) إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } [أي: أبصرت نارًا] (3) . { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: امكثوا مكانكم، سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } قرأ أهل الكوفة: "بشهاب" بالتنوين، جعلوا القبس نعتًا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيضٍ ذي نور شهابًا، والقبس: القطعة من النار، { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء. { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: بورك على من في النار أو من في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، { وَمَنْ حَوْلَهَا } وهم الملائكة 54/أ الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، و"من في النار" هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح،
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) ساقط من "أ".
(3) ساقط من "أ".

(6/144)


يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)

و"من حولها" هو موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: "من في النار ومن حولها" جميعًا الملائكة. وقيل: "من في النار" موسى و"من حولها" الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبًا منها، كما يقال: بلغ فلان المنزل، إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد. وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيًّا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و"من" قد تأتي بمعنى ما، كقوله تعالى: "فمنهم من يمشي على بطنه" (النور-45) ، و"ما" قد يكون صلة في الكلام، كقوله "جندٌ ما هنالك" (ص-11) ، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليهم السلام، وسمَّى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال: "في البقعة المباركة".
وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ } يعني قُدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها (1) كما روي: أنه مكتوب في التوراة: "جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران" (2) فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها، ومن ساعين بعثة المسيح منها، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها، وفاران مكة (3) . قيل: كان ذلك نوره عز وجل. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: "حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (4) ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
{ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) }
ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال: { يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } والهاء في قوله { إِنَّهُ } عماد، وليس بكناية، وقيل: هي
__________
(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 19 / 133-135، وأبو جعفر النحاس في معاني القرآن: 5 / 116، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 341، والقرطبي: 13 / 158-159.
(2) النص في العهد العتيق، سفر التثنية ص (355) طبع الكاثوليكية. وبلفظ "ساعير" بدلا من "ساعين" فيه، وفي النصوص التي نقلت عنه.
(3) انظر بالتفصيل هذه البشارة ومدلولها ومطابقتها لما جاء في القرآن الكريم: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى، تأليف عثمان جمعة ص (81-83) والمراجع المشار إليها.
(4) قطعة من حديث أبي موسى أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام، برقم (179) 1 / 161، والمصنف في شرح السنة: 1 / 173.

(6/145)


وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)

كناية عن الأمر والشأن، أي: الأمر والشأن، أي: المعبود أنا (1)
{ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) }
ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } تتحرك، { كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، { وَلَّى مُدْبِرًا } هرب من الخوف، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } لم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله عز وجل: { يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا يفارقهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أخشاكم لله" (2) . وقوله: { إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } واختلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحًا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: { إِلا مَنْ ظُلِمَ } ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استُغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظَلَمَ ثم بدَّل حسنًا بعد سوء فإني غفور رحيم (3) .
وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه: لا يخاف لديَّ المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه (4) لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدَّل حسنًا بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه (5) .
__________
(1) راجع: التبيان للعكبري: 2 / 1005، زاد المسير: 7 / 156.
(2) قطعة من حديث رواه البخاري في النكاح، باب الترغيب في النكاح 9 / 104، ومسلم في الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة برقم (1108) 2 / 779 بلفظ "أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له".
(3) هذا القول هو الذي رجحه الطبري: 19 / 137.
(4) ساقط من "أ".
(5) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله معتمدا هذا القول (3 / 358): "هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيئ ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى)، وقال تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه..) الآية. والآيات في هذا كثيرة جدا". وكذلك رجحه أبو حيان في البحر المحيط.

(6/146)


وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)

وقال بعض النحويين: "إلا" هاهنا بمعنى: "ولا" (1) يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: "لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم" (البقرة-150) ، يعني: ولا الذين ظلموا (2)
{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) }
__________
(1) في الطبري والنحاس وغيرهما: (بمعنى الواو).
(2) وهذا القول حكاه الفراء عن بعض النحويين ولم يرضه، وقال النحاس: "وذا ليس بجيد في العربية"، وقال أبو حيان: "وهذا ليس بشيء؛ لأن معنى "إلا" مباين لمعنى "الواو" مباينة كثيرة، إذ الواو للإدخال و"إلا" للإخراج، فلا يمكن وقوع أحدهما موضع الآخر". انظر: معاني القرآن للنحاس: 5 / 117، البحر المحيط: 7 / 57، زاد المسير: 6 / 157.

(6/147)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )