الشعراء - تفسير البغوي

طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)

سورة الشعراء
مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله { والشعراء يتبعهم الغاوون }
وروينا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت طه والطواسين من [اللوح المحفوظ ]"
بسم الله الرحمن الرحيم
{ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) }
{ طسم } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: طسم، وطس، وحم، ويس بكسر الطاء والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في "طسم": أبو جعفر، وحمزة، وأخفاها الآخرون. وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طسم" عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قَسَمٌ، وهو من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله (1) بطوله وسنائه وملكه (2) .
__________
(1) لفظ الجلالة ساقط من "أ".
(2) تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، انظر فيما سبق: 1 / 58-59، وساق الحافظ ابن كثير الأقوال في الحروف المقطعة وخلاف العلماء في تفسيرها والحكمة التي اقتضت إيرادها، واستبعد ما لا يساعده الدليل، وقال: "وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية". انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 36-39.

(6/102)


لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)

{ تِلْكَ } أي: هذه الآيات، { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ }
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) }
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } قاتل نفسك، { أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشقَّ عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية. { إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } قال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره، لا يعمل أحد منهم بعده معصية.
وقوله عز وجل: { خَاضِعِينَ } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله "هم" على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله: "ذلك بما قدمت يداك" (الحج-10) و"ألزمناه طائره في عنقه" (الإسراء-13) . وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوم عنقًا عنقًا، أي: جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد (1) .
__________
(1) قال أبو جعفر الطبري (19 / 62): "وأولى الأقوال في ذلك وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء. وأن يكون قوله "خاضعين" مذكرا، لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق، فيكون ذلك نظير قو جرير: أرى مرَّ السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال
وذلك أن قوله: مر، لو أسقط من الكلام لأدى ما بقي من الكلام عنه لم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه، وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: "فظلت أعناقهم"، لأدى ما بقي من الكلام عنها، وذلك أن الرجال إذا ذلوا، فقد ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا".

(6/106)


وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

{ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) }
{ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ } وعظ وتذكير، { مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ } أي: محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، { إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } أي: عن الإيمان به. { فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ } أي: فسوف يأتيهم، { أَنْبَاءُ } أخبار وعواقب، { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ } صنف وضرب، { كَرِيمٍ } حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم (1) { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت، { لآيَةً } دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: "كان" هاهنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } العزيز بالنقمة من أعدائه، { الرَّحِيمُ } ذو الرحمة بأوليائه. قوله عز وجل: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى } واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.
__________
(1) أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. الدر المنثور: 6 / 289.

(6/107)


قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)

{ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) }
{ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ } ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. { قَالَ } يعني موسى، { رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } { وَيَضِيقُ صَدْرِي } من تكذيبهم إياي، { وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي } قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب "ويضيق"، "ولا ينطلق" بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردًا على قوله: "إني أخاف"، { فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.
{ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } أي: دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } أي: يقتلونني به. { قَالَ } الله تعالى، { كَلا } أي: لن يقتلوك، { فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } سامعون ما يقولون، ذكر "معكم" بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ولم يقل: رسولا رب العالمين، لأنه أراد الرسالة، أي: أنا ذو رسالة رب العالمين، كما قال كُثَيِّر: لقد كَذَبَ الوَاشُونَ مَا بُحْثُ عِندَهُم ... بسرٍ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسُولِ (1)
أي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى: "وهم لكم عدو" (الكهف-50) ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين (2) { أَنْ أَرْسِلْ } أي: بأن أرسل، { مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.
__________
(1) البيت هذا لكثير عزة، وقد استشهد به الطبري: 19 / 65، وأبو عبيدة: 2 / 84، وابن منظور في اللسان، مادة "رسل".
(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 8.

(6/108)


قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)

وفي القصة (1) أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمِكْتَلُ معلَّق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حين تدعوَ فرعون إلى الله، فخرجت أمهما 49/ب وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع موسى لقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقَّا الباب، ففزع البوَّابون وقال من بالباب؟ وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إنَّ مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترك حتى أصبح، ثم دعاهما. وروى أنهما انطلقا جميعًا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأدَّيا رسالة الله عز وجل، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته.
{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }
__________
(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 292.

(6/109)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )