طه - تفسير البغوي

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) }
{ أَنْ دَعَوْا } أي من أجل أن جعلوا { لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا (1) .
ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال: { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به. { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ } أي إلا آتيه يوم القيامة { عَبْدًا } ذليلا خاضعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده. { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } أي: عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى عليه شيء. { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } وحيدا ليس معه من الدنيا شيء. قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } أي: محبة. قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين.
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض العبد".
__________
(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 130 فقد روى أثرا مطولا عن ابن عباس وآخر عن كعب وقد جمع بينهما المصنف هنا باختصار.

(5/257)


فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك (1) .
قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم (2) .
{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) }
قوله عز وجل: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ } يعني المؤمنين { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } شدادا في الخصومة جمع "الألد".
وقال الحسن: صما عن الحق (3) .
قال مجاهد: 10/ب "الألد": الظالم الذي لا يستقيم (4) .
قال أبو عبيدة: "الألد" الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ } هل ترى وقيل هل تجد { مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } أي صوتا "والركز": الصوت الخفي (5) قال الحسن: بادوا جميعا فلم يبق منهم عين ولا أثر (6) .
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الشعر باب المتحابين في الله: 2 / 953 والبخاري في الأدب باب الْمِقَةِ (المحبة) من الله: 10 / 461 ومسلم في البر والصلة والأدب باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده برقم (4237): (4 / 2030) والمصنف في شرح السنة: 13 / 55. وانظر فتح الباري: 10 / 462-463.
(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 133.
(3) أخرجه الطبري: 16 / 134.
(4) الطبري: 16 / 133-134.
(5) كما قال الشاعر لبيد بن ربيعة العامري: فتوجست ذكر الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
انظر: تفسير الطبري: 16 / 135.
(6) أخرجه عبد بن حميد بنحوه. انظر: الدر المنثور: 5 / 547.

(5/258)


طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)

سورة طه مكية (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ طه (1) مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) }
أخبرنا عبد الواحد المليحي (2) أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجوية، أخبرنا ابن أبي أويس، حدثني أبي عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة" (3) .
{ طه } قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما.
__________
(1) مكية كلها في قول الجميع، فقد أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة طه بمكة. وأخرجه أيضا ابن مردويه عن ابن الزبير. انظر: الدر المنثور: 5 / 548، زاد المسير: 5 / 268، تفسير القرطبي: 11 / 163.
(2) جاء هذا الحديث في نسخة "ب" عقب الآية الأولى.
(3) عزاه السيوطي في "الدر المنثور": 5 / 548 لابن مردويه، وفيه أبو بكر الهذلي، قال عنه ابن حجر: إخباري متروك الحديث. وأخرجه مطولا عن معقل بن يسار: البيهقي في السنن: 10 / 9، والحاكم في المستدرك: 1 / 561، 568، و 2 / 259، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص: (322). وفيه عبيد الله بن أبي حميد وهو متروك. وانظر: فيض القدير للمناوي: 1 / 564.

(5/259)


قيل: هو قسم (1) . وقيل: اسم من أسماء الله تعالى (2) .
وقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: معناه يا رجل.
وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية.
وقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك (3) .
وقال مقاتل بن حيان: معناه طأ الأرض بقدميك، يريد: في التهجد (4) .
وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته (5) .
قال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هاد (6) .
وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية (7) وأمره أن يخفف على
__________
(1) رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. انظر : زاد المسير: 5 / 205، 270.
(2) الطبري 16 / 36، البحر المحيط: 6 / 224، زاد المسير: 5 / 270.
(3) انظر : الطبري : 16 / 135 - 136، زاد المسير: 5 / 270، البحر المحيط: 6 / 224. وهذا القول رجحه الطبري لأنها كلمة معروفة في قبيلة عك، وأن معناها فيهم: يا رجل وأنشدت لمتمم بن نويرة:هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا
.
(4) نقله عنه أيضا: ابن الجوزي في زاد المسير: 5 / 270. وروى عن عبد بن حميد في تفسيره، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: "طه" ، يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وروى ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن علي: لما نزل "يا أيها المزمل" قام الليل كله حتى ورمت قدماه، فجعل يرفع رجلا ويضع الأخرى فهبط عليه جبريل فقال: طه طأ الأرض بقدميك يا محمد. وأخرجه البزار من وجه آخر عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في الشعب من وجه آخر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (108)، ابن كثير: 3 / 142.
(5) وهذا القول قريب المعنى من قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة. انظر : زاد المسير: 5 / 270.
(6) وأخرج البزار عن علي نحوه: قال الهيثمي: 7 / 56: "وفيه يزيد بن بلال، وقال البخاري: فيه نظر، وكيسان أبو عمرو: وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين. وبقية رجاله رجال الصحيح".
(7) انظر: زاد المسير: 5 / 269 - 270. وقارن بأضواء البيان : 4 / 400 فقد ضعف هذا القول. وتقدم أن الطبري رجح أن المراد بها: يا رجل ولم يعهد هذا النداء في الكتاب الكريم، ولذلك رجح أبو حيان في البحر المحيط: (6 / 224) "أن "طه" من الحروف المقطعة نحو "يس" و"الر" وما أشبهها". وقال الشيخ الشنقيطي في "أضواء البيان": (4 / 399): وأظهر الأقوال فيه أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور، ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة جاءتنا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة. أما الطاء ففي فاتحة الشعراء "طسم" وفاتحة النمل "طس" وفاتحة القصص. وأما الهاء ففي فاتحة مريم في قوله تعالى: "كهيعص". . . وخير ما يفسر به القرآن القرآن".

(5/262)


إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)

نفسه فقال: { مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت { مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } (1) أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة العناء.
{ إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) }
{ إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. وقيل: تقديره ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى] (2) . { تَنزيلا } بدل من قوله "تذكرة" { مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ } أي: من الله الذي خلق الأرض، { وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا } يعني: العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى وكبر، وصغرى وصغر. { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } . { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } يعني الهواء، { وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } والثرى هو: التراب الندي. قال الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء.
وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وهي الصخرة التي ذكر الله في قصة لقمان "فتكن في صخرة" والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عز وجل البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست (3) .
__________
(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 137، أسباب النزول للواحدي ص (351) - القرطبي: 11 / 167.
(2) ساقط من "ب".
(3) ذكر هذه الرواية القرطبي: 11 / 169 - 170. وهذه الرواية من الإسرائيليات التي لا يعول عليها في تفسير كتاب الله تعالى، ولو صحت نسبتها لابن عباس رضي الله عنهما، لأن صحة نسبتها إليه لا تعني صحتها في واقع الأمر لأنها متلقاة من الإسرائيليات. وانظر ما كتبه الحافظ ابن كثير رحمه الله في التفسير: 4 / 401 - 402.

(5/263)


وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9)

{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) }
{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ } [أي: تعلن به] (1) { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } قال الحسن: "السر": ما أسر الرجل إلى غيره، "وأخفى" من ذلك: ما أسر من نفسه.
وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: "السر" ما تسر في نفسك "وأخفى" من السر: ما يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك، لأنك تعلم ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر به غدا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "السر": ما أسر ابن آدم في نفسه ، "وأخفى" ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه.
وقال مجاهد: "السر" العمل الذي تسرون من الناس، "وأخفى": الوسوسة.
وقيل: "السر": هو العزيمة ["وأخفى": ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه.
وقال زيد بن أسلم: "يعلم السر] (2) وأخفى": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده، فلا يعلمه أحد (3) . ثم وحد نفسه، فقال:. { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } قوله عز وجل: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } أي: قد أتاك، استفهام بمعنى التقرير.
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) ساقط من "أ".
(3) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 16 / 139 - 141 ، زاد المسير: 5 / 271. قال الطبري: والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه يعلم السر وأخفى من السر، لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام: وأخفى الله سره، لأن أخفى فعل واقع متعد؛ إذ كان بمعنى "فعل" - على ما تأوله ابن زيد - وفي انفراد "أخفى" من مفعوله - والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل - الدليل الواضح على أنه بمعنى "أفعل"، وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه، فإذا كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى أخفى من السر، أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد ولم يعلموه، مما هو كائن ولما يكن، لأن ما ظهر وكان فغير سر، وأن ما لم يكن وهو غير كائن، فلا شيء، وأن لم يكن وهو كائن: فهو أخفى من السر، لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ثم من أعلمه ذلك من عباده.

(5/264)


إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11)

{ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) }
{ إِذْ رَأَى نَارًا } وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في سقمها، لا تدري أليلا أم نهارا. فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زنده فلم يوره.
وقيل: إن موسى كان رجلا غيورا فكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار، لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية، لما أراد الله عز وجل من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، { فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا } (1) أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء هاهنا وفي القصص، { إِنِّي آنَسْتُ } أي: أبصرت، { نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ } شعلة من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، { أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } أي: أجد عند النار من يدلني على الطريق. { فَلَمَّا أَتَاهَا } رأى شجرة خضراء من أسفلها [إلى أعلاها، أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوإ ما يكون، فلا ضوء النار يغير] (2) خضرة الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار.
قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء.
وقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج.
وقال وهب: كانت من العليق.
وقيل: كانت شجرة العناب، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) .
قال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا.
وقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عز وجل، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما.
__________
(1) انظر: الطبري: 16 / 142 - 143، القرطبي: 11 / 171، البحر المحيط: 6 / 230.
(2) ساقط من "أ".
(3) انظر: الطبري: 16 / 143، البحر المحيط: 6 / 230، القرطبي: 11 / 171. وهذه الأقوال في الشجرة مما لم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيينها، وقد أعرض الحافظ ابن كثير عنها فلم يذكر شيئا منها في تفسير الآية.

(5/265)


إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدل عليه: ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (1) .
وفي القصة أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة وكان كلما دنا نأت منه النار، وإذا نأى دنت، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت عليه السكينة (2) .
{ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) }
{ نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، "أني" بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، فقيل: إني أنا ربك.
قال وهب نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ 11/أ قال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن به (3) .
قوله عز وجل: { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } وكان السبب فيه ما روى عن ابن مسعود مرفوعا في قوله: { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } قال: كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ (4) .
وقال عكرمة ومجاهد: أمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، فيناله بركتها لأنها قدست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي (5) .
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام. . برقم (179): 1 / 161 - 162.
(2) انظر: البحر المحيط: 6 / 230.
(3) عزاه السيوطي: 5 / 554 - 555 للإمام أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(4) أخرجه الترمذي في اللباس، باب ما جاء في لبس الصوف: 5 / 410 وقال: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن علي الأعرج، منكر الحديث". ورواه الحاكم في المستدرك: 2 / 379 وصححه على شرط البخاري، فتعقبه الذهبي بقوله: "بل ليس على شرط البخاري، وإنما غره أن في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي، أو ابن عمار، أحد المتروكين، فظنه المكي الصادق".
(5) قال الطبري مرجحا: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمر الله - تعالى ذكره - بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي، إذ كان واديا مقدسا، وإنما قلنا ذلك أولى التأولين بالصواب لأنه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار، ولا لنجاستهما، ولا خير بذلك عمن يلزم بقوله الحجة. وإن في قوله: "إنك بالوادي المقدس" بعقبه دليلا واضحا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا". انظر: الطبري: 16 / 144. وانظر المعنى نفسه عند أبي حيان: 16 / 231. ونقل الحافظ ابن كثير: (3 / 144) عن سعيد بن جبير أنه - عليه السلام - أمر بخلع نعليه كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. وأبدى الشيخ الشنقيطي: (4 / 292) حكمة أخرى فقال: وأظهر الأقوال - والله تعالى أعلم-: أن الله أمره بخلع نعليه من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم يستوجب من العبد كمال التواضع والخشوع. والله تعالى أعلم.

(5/266)


{ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ } أي المطهر، { طُوًى } وطوى اسم الوادي، وقرأ أهل الكوفة والشام: " طوى " بالتنوين هاهنا وفي سورة النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين لأنه معدول عن "طاو" فلما كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه، مثل عمر، وزفر، وقال الضحاك: "طوى " : واد مستدير عميق مثل الطوى في استدارته.

(5/267)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )