النحل - تفسير البغوي

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91)

{ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) }
{ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ } قال الفراء: مجازه: أنذركم عذابًا كعذاب المقتسمين. حكي عن ابن عباس -رضي الله عنهما -أنه قال: هم اليهود والنصارى.
{ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } جزَّؤوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدَّلوه (1) .
__________
(1) في "أ" بدَّدوه.

(4/393)


فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)

وقيل: "المقتسمون" قوم اقتسموا القرآن. فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ساحر كاهن شاعر.
وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عِقَاب (1) مكة وطرقها، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من الحجاج: لا تغترُّوا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منّا. وتقول طائفة منهم: إنه مجنون، وطائفة: إنه كاهن، وطائفة: إنه شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكمًا فإذا سئل عنه قال: صدق (2) أولئك [يعني] (3) المقتسمين (4) .
وقوله: { عِضِينَ } قيل: هو جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضَّيت الشيء تعضيةً، إذا فرَّقته. ومعناه: أنهم جعلوا القرآن أعضاء، فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وقيل: هو جمع عضة: يقال: عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين، وأصلها: عضهة ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة، بدليل: أنك تقول في التصغير شفيهة، والمراد بالعضة الكذب والبهتان.
وقيل: المراد بالعضين العَضْهُ، وهو السحر، يريد: أنهم سمَّوا القرآن سحرًا (5) .
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) }
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يوم القيامة.
{ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل قال عدَّة من أهل العلم: عن قوله "لا إله إلا الله" (6) .
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانّ}(الرحمن-39).
قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم، لأنه أعلم بهم منهم، ولكن يقول: لِمَ عملتم كذا وكذا؟ واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانّ}(الرحمن-39)
__________
(1) عقاب: جمع عقبة، والعقبة هي المرقى الصعب من الجبال.
(2) في "ب" سل.
(3) ساقط من "ب".
(4) انظر هذه الأقوال وتخريجها في الطبري: 14 / 61-64، الدر المنثور: 5 / 98، زاد المسير: 4 / 417-418، فتح الباري: 8 / 382.
(5) انظر: زاد المسير: 4 / 418-419، الطبري: 4 / 64-66.
(6) انظر: تفسير الطبري: 14 / 67.

(4/394)


فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)

يعني: استعلامًا. وقوله: "لنسألنّهم أجمعين" يعني توبيخًا وتقريعًا.
وقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف يسألون في بعض المواقف، ولا يسألون في بعضها. نظيره قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ}(المرسلات-35)، وقال في آية أخرى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} (1) (الزمر-31).
{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) }
قوله تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } قال ابن عباس: أَظْهِرْه. ويروى عنه: أمضه.
وقال الضحاك: أَعْلِم.
وقال الأخفش: افْرُقْ، أي: افرق بالقرآن بين الحق والباطل.
وقال سيبويه: اقض بما تؤمر، وأصل الصَّدْع: الفصل، والفرق: أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة.
وروي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه (2) .
{ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } نسختها آية القتال (3) .
{ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصدع بأمر الله، ولا تخف أحدًا غير الله عز وجل، فإن الله كافيك مَنْ عاداك كما كفاك المستهزئين، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي -وكان رأسهم -والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: "اللهم أعْمِ بصره واثْكله بولده، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة، فأتى جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم، والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرَّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا ؟ فقال: بئس عَبْدُ الله، فقال: قد كُفِيْتَه، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من خزاعة نبَّال يريش نبلا له وعليه بُرْد يمان، وهو يجرُّ إزاره، فتعلقت شظية من نَبْلٍ بإزاره فمنعه الكبر أن "يطاطئ رأسه" (4) فينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات.
__________
(1) انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، ص (140-141) و(169)، زاد المسير: 4 / 419-420.
(2) انظر: زاد المسير: 4 / 420.
(3) انظر فيما سبق التعليق (6) في تفسير سورة الحجر، الآية (3) ص (368).
(4) في "ب" يطامن.

(4/395)


الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)

ومرَّ به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وقال: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعبًا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقةٍ فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.
ومرَّ به الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيته، فعمي.
قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك.
وفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحدا يصنع بك شيئًا غير نفسك، حتى مات، وهو يقول قتلني رب محمد.
ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله على أنه ابن خالي. فقال: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى [بطنه] (1) فمات حينًا.
وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السَّمُوم فاسودَّ حتى عاد حبشيًا، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني رب محمد.
ومرَّ به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؛ فقال: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحًا فقتله.
وقال ابن عباس: إنه أكل حوتًا مالحًا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى انقد بطنه فمات (2) فذلك قوله تعالى: { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } بك وبالقرآن.
{ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }
{ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) }
وقيل: [استهزاؤهم] (3) واقتسامهم: هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن سورة البقرة،
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) انظر: تفسير الطبري: 14 / 69-72، زاد المسير: 4 / 421-423، الدر المنثور: 5 / 100-102، المحرر الوجيز: 359-361، البحر المحيط: 5 / 469-470، سيرة ابن هشام: 1 / 408-409.
(3) ساقط من "ب".

(4/396)


وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

وسورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء: هذا في (1) سورة البقرة، ويقول هذا في سورة النحل، ويقول هذا في سورة العنكبوت (2) فأنزل الله تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) }
{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } قال ابن عباس: فصلِّ بأمر ربك { وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } 198/ب من المصلين (3) المتواضعين.
وقال الضحاك: "فسبح بحمد ربك": قلْ سبحان الله وبحمده "وكن من الساجدين" المصلين.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (4) .
{ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } أي الموت الموقن به، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" .
أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أمية بن محمد الصواف البصري، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أوحي إليَّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (5) .
__________
(1) في "ب" إلى. وفي البحر المحيط: فمن قائل: البعوض لي، من قائل: النمل لي، وقائل العنكبوت لي، استهزاء.
(2) انظر: البحر المحيط: 5 / 468 .
(3) ساقط من "ب".
(4) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل: 2 / 94 عن حذيفة، بلفظ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلَّى" قال المنذري: وذكر بعضهم أنه روي مرسلا. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 388، والبيهقي في الدلائل في قصة الخندق مطولا، انظر: الكافي الشاف ص (7) وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 6 / 274. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 155 ، وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة: 1 / 416 نعم ولكن الألباني حسّنه أخيرا في صحيح سنن أبي داود برقم 1171.
(5) أخرجه أبو نعيم في الحلية: 2 / 131 مرسلا، ورواه السهمي موصولا في تاريخ جرجان ص (342) عن ابن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: (5 / 105) لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في "التاريخ" وابن مردويه، والديلمي في "الفردوس" وابن عدي في الكامل: 5 / 1897. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 237، وفيه شرحبيل بن مسلم، ضعفه ابن معين. انظر: الجرح والتعديل: 4 / 340.

(4/397)


وروي عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى هذا الذي قد نوّر الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه (1) بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلّة شراها، أو شريت له، بمائتي درهم، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترونه" (2) . والله أعلم.
__________
(1) في "ب" يغذوانه.
(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية: 1 / 108 بإسناد حسن، وانظر: المغني عن حمل الأسفار للعراقي 4 / 287 .

(4/398)


أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)

سورة النحل
مكية [مائة وثمان وعشرون آية] (1) إلا قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } إلى آخر السورة (2) . بسم الله الرحمن الرحيم
{ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) }
{ أَتَى } أي جاء ودنا وقرب، { أَمْرُ اللَّهِ } قال ابن عرفة: تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع بعد، أي: أتى أمر الله وعدا فلا تستعجلوه وقوعا.
{ أَمْرُ اللَّهِ } قال الكلبي وغيره: المراد منه القيامة.
قال ابن عباس لما نزل قوله تعالى "اقتربت الساعة" (القمر-1 ) قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما لم ينزل شيء [قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله "اقترب للناس حسابهم"(الأنبياء-1 ) ، فأشفقوا، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به] (3) فأنزل الله تعالى: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } فوثب
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(2) روى مجاهد، وعطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس : أنها مكية كلها ، وهو مروي عن الحسن وعكرمة وعطاء .وقال ابن عباس في رواية: مكية إلا "وإن عاقبتم ..." الآية (126) فنزلت بعد قتل حمزة. وقال في رواية أخرى: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وهي قوله تعالى : "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا" إلى قوله "يعملون" (الآيات 95-97). وقال الشعبي: مكية إلا: "وإن عاقبتم" إلى آخر الآيات (126-128). وقال قتادة: مكية إلا خمس آيات. وقال مقاتل: مكية إلا سبع آيات. وقال جابر ابن زيد: أنزل من أول النحل أربعون آية بمكة، وبقيتها بالمدينة. وعن علي بن زيد قال: كان يقال لسورة النحل: سورة النعم، لكثرة تعداد النِّعم فيها. انظر: زاد المسير: 4 / 425-426، الدر المنثور: 5 / 107.
(3) ما بين القوسين ساقط من "أ".

(4/7)


يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)

النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزلت { فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } فاطمأنوا (1) .
والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه.
ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه، وإن كادت لتسبقني" (2) .
قال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة.
وقال قوم: المراد بالأمر هاهنا: عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف وذلك أن النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فاستعجل العذاب، فنزلت هذه الآية (3) . وقتل النضر يوم بدر صبرا.
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون.
{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)}
{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ } قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي، و { الْمَلائِكَةَ } نصب. وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و " الملائكة " رفع، { يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ } بالوحي، سماه روحا لأنه يحيي به القلوب والحق.
قال عطاء: بالنبوة.
وقال قتادة: بالرحمة.
قال أبو عبيدة: "بالروح" يعني مع الروح، وهو جبريل. { مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا } أعلموا: { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ }
وقيل: معناه مروهم بقول "لا إله إلا الله" منذرين مخوفين بالقرآن إن لم يقولوا.
__________
(1) أخرجه الواحدي في "أسباب النزول" ص (321) بدون إسناد، وبمعناه أخرجه الطبري: 14 / 75، وانظر: الدر المنثور: 5 / 108، القرطبي: 10 / 66.
(2) أخرجه الإمام أحمد في "المسند": 2 / 50، قال ابن حجر في "الفتح": 11 / 348: "أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن". وأصل الحديث في البخاري، كتاب الرقاق: 11 / 347، وفي مسلم في كتاب الفتن: 4 / 2268. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 98.
(3) أسباب النزول للواحدي ص (321).

(4/8)


خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)

وقوله: "فاتقون" أي فخافون.
{ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)}

(4/9)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )