إبراهيم - تفسير البغوي

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } .
{ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني: من قبل مشركي مكة، والمكر: إيصالُ المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر.
{ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا } أي: عند الله جزاء مكرهم وقيل: إن الله خالق مكرهم جميعا، بيده الخيرُ والشرُ، وإليه النفع والضر، فلا يضر مَكْرُ أحدٍ أحدا إلا بإذنه.
{ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ } قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " الكافر " على التوحيد، وقرأ الآخرون: { الْكُفَّارُ } على الجمع. { لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي: عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة.
{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } إني رسوله إليكم { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } يريد: مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضاً على ذلك.
قال قتادة: هو عبد الله بن سلام (1) .
وأنكر الشعبي هذا وقال: السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة.
وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية (2) ؟
وقال الحسن ومجاهد: { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } هو الله عز وجل (3) يدل عليه: قراءة عبد الله بن عباس، { وَمِنْ عندِه } بكسر الميم والدال، أي: من عند الله عز وجل، وقرأ الحسن
__________
(1) أخرجه الطبري عن قتادة: 16 / 503، وحكاه أيضا عن عبد الله بن سلام نفسه، ومجاهد.
(2) أخرجه الطبري: 16 / 505، 506.
(3) انظر: الطبري: 16 / 504، 506.

(4/328)


الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)

وسعيد بن جبير: { وَمِنْ عِندِه } بكسر الميم والدال { عُلِم الْكِتَابِ } على الفعل المجهول (1) دليل هذه القراءة قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}(الكهف -65) وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ}(الرحمن -1، 2). سورة إبراهيم
مكية [وهي إحدى وخمسون] (2) آية إلا آيتين من قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" إلى قوله: "فإن مصيركم إلى النار" (3) بسم الله الرحمن الرحيم
{ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) } .
{ الر كِتَابٌ } أي: هذا كتاب { أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ } يا محمد يعني: القرآن، { لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان (4) . { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } [بأمر ربهم] (5) .
وقيل: بعلم ربهم (6) .
__________
(1) قال الطبري: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل، غير أن في إسناده نظرا. ثم ساق حديثا منقطع الإسناد. انظر: تفسير الطبري 16 / 506. وقال الهيثمي فيه: "رواه أبو يعلى، وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك" انظر: مجمع الزوائد: 7 / 155.
(2) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(3) أخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سورة إبراهيم عليه السلام نزلت بمكة سوى آيتين، وهما: "ألم تر إلى الذين..." نزلتا في قتلى بدر من المشركين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وعن الزبير: نزلت سورة إبراهيم عليه السلام بمكة. قال ابن الجوزي: وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم إلا ما روي عن ابن عباس وقتادة.. انظر: الدر المنثور: 5 / 3، المحرر الوجيز: 8 / 192، البحر المحيط: 5 / 403، زاد المسير: 4 / 343.
(4) انظر: الطبري: 16 / 511-512.
(5) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(6) قال أبو جعفر الطبري في التفسير: (16 / 512): "وأضاف تعالى ذكره إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لهم بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الهادي خلقه، والموفق مَنْ أحب منهم للإيمان، إذ كان منه دعاؤهم إليه، وتعريفهم ما لهم فيه وعليهم. فبيّن بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كسبا، وإلى الله جل ثناؤه إنشاء وتدبيرا، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله في ذلك صنع".

(4/329)


اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)

{ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } أي: إلى دينه، و"العزيز"، هو الغالب، و"الحميد": هو المستحق للحمد.
{ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) } .
{ اللَّهِ الَّذِي } قرأ أبو جعفر، وابن عامر: " اللهُ " بالرفع على الاستئناف، وخبره فيما بعده. وقرأ الآخرون بالخفض نعتًا للعزيز الحميد (1) . وكان يعقوب إذا وصل خفض.
وقال أبو عمرو: الخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد (2) { الَّذِي لَهُ ما فٍي السموات وَمَا فِي الأرضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } (3) .
{ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ } يختارون، { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي:
__________
(1) انظر: الطبري: 16 / 512-513.
(2) قال الطبري: (16 / 513-514): "وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرئ كذلك: فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض، ويقول: معناه: بإذن ربهم إلى صراط (الله) العزيز الحميد الذي له ما في السموات. ويقول: هو من المؤخر الذي معناه التقديم، ويمثله بقول القائل: "مررت بالظريف عبد الله"، والكلام الذي يوضع مكان الاسم النعت، ثم يجعل الاسم مكان النعت، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء: لو كنت ذا نبل وذا شزيب ... ما خفت شدات الخبيث الذيب
وأما الكسائي؛ فإنه كان يقول فيما ذكر عنه؛ من خفض أراد أن يجعله كلاما واحدا، وأتبع الخفض الخفض، وبالخفض كان يقرأ" ثم قال: "والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان؛ قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد يجوز أن يكون الذي قرأ بالرفع أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله، كما قال جل ثناؤه: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم" إلى آخر الآية ثم قال: "التائبون العابدون" (سورة التوبة: 111-112).
(3) قال الطبري: (16 / 514): ومعنى قوله: "الله الذي له ما في السموات وما في الأرض"، الله الذي يملك جميع ما في السموات وما في الأرض. يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا من الآلهة والأوثان. ثم توعد جل ثناؤه من كفر به، ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: "وويل للكافرين من عذاب شديد"، يقول: الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم، لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد".

(4/334)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)

يمنعون الناس عن قبول دين الله، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: يطلبونها زيغا وميلا يريد: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد.
وقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا، معناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق، أي: لجهة الحرام. { أُولَئِكَ فِي ضَلال بَعِيدٍ } (1) .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) } .
قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } بلغتهم ليفهموا عنه. فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق؟
قيل: بُعِث من العرب بلسانهم، والناس تَبَعٌ لهم، ثم بثَّ الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم (2) .
{ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: من الكفر إلى الإيمان بالدعوة، { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله (3)
__________
(1) يعني: هؤلاء الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، هم في ذهاب عن الحق بعيد، وأخذ على غير هدى، وجور عن قصد السبيل. انظر: تفسير الطبري: 16 / 515.
(2) أورد محمد بن أبي بكر الأرزي هذا السؤال مطولا، وأجاب عنه من وجوه: الأول: إن نزول القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام بلسان واحد كاف، لأن الترجمة لأهل بقية الألسن تغني عن نزوله لجميع الألسن، ويكفي التطويل، كما جرى في القرآن العزيز. الثاني: أن نزوله بلسان واحد أبعد عن التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والخلاف. الثالث: أنه لو نزل بألسنة الناس وكان معجزا في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها لكان ذلك أمرا قريبا من القسر والإلجاء، بل على التمكين من الاختيار، فلما كان نزوله بلسان واحد كافيا كان أولى الألسنة قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه وأفهم عنه. انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، لمحمد بن عبد القادر الرازي الحنفي ص (157-158).
(3) انظر: تفسير الطبري: 16 / 520-523، الدر المنثور: 5 / 6.

(4/335)


وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعهم، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، فاجتزأ بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم (1) .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } و"الصبار": الكثير الصبر، و"الشكور": الكثير الشكر، وأراد: لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين.
__________
(1) ورد الطبري هذا القول والشاهد الذي استشهدوا به على ذلك، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (8 / 203): "ولفظة الأيام" تعم المعنيين، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعا".

(4/336)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )