الرعد - تفسير البغوي

المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)

سورة الرعد
مكية إلا قوله: "ولا يزال الذين كفروا" ، وقوله: "ويقول الذين كفروا لست مرسلا" (1) [وهي ثلاث وأربعون آية] (2) . بسم الله الرحمن الرحيم
{ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) } .
{ المر } قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى (3) { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } يعني: تلك الأخبار التي قصصتها [عليك] (4) آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، { وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك، { مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } أي: هو الحق فاعتصم به. فيكون محل "الذي" رفعا على الابتداء، والحق خبره.
__________
(1) أخرج النحاس في "الناسخ والمنسوخ" عن ابن عباس، وسعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير أن سورة الرعد مكية. وبه قال الحسن وعطاء وقتادة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن الزبير: أن سورة الرعد نزلت بالمدينة. وبه قال جابر ابن زيد. وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، ورواه ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة. ومكية السورة شديدة الوضوح: سواء في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها، أو في جوها العام الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن. انظر: الدر المنثور: 4 / 599، الإتقان: 1 / 40-44، زاد المسير: 4 / 299، في ظلال القرآن: 13 / 2039.
(2) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(3) انظر فيما سبق: 1 / 58، وراجع تفسير الطبري: 1 / 205-224، 6 / 149، 12 / 294،292، 15 / 9، 16 / 319-320. طبعة دار المعارف، زاد المسير: 4 / 300.
(4) ساقط من "ب".

(4/288)


اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)

وقيل: محلُّه خفض، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ابتدأ: "الحق"، يعني: ذلك الحق (1) .
وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن، ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه (2) فردّ قولهم ثم بين دلائل ربوبيته، فقال عَزَّ من قائل: { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } .
{ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } .
{ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } يعني: السَّواري، واحدها عمود، مثل: أديم وأَدَم، وعُمُد أيضا جمعه، مثل: رسول ورُسل.
ومعناه نفي العمد أصلا وهو الأصح، يعني: ليس من دونها دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها.
قال إياس بن معاوية: السماء مقبَّبة على الأرض مثل القبة (3)
وقيل: "ترونها" راجعة إلى العمد، [معناه] (4) لها عمد ولكن لا ترونها (5)
__________
(1) انظر في هذا وشواهده من العربية: تفسير الطبري: 16 / 321-322، البحر المحيط: 5 / 359، المحرر الوجيز: 8 / 109-110.
(2) وقيل: المراد اليهود والنصارى. والأولى أنه عام يندرج تحته هؤلاء وأولئك. انظر: البحر المحيط: 5 / 359.
(3) وهذا مروي أيضا عن قتادة، ويدل عليه تصريحه تعالى في سورة الحج أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه). فعلى هذا يكون قوله (ترونها) تأكيدا لنفي ذلك. أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها. وهذا هو الأكمل في القدرة. وعلى هذا يكون الضمير في قوله "ترونها" عائدا على "السموات"، وجملة "ترونها" في موضع الحال. انظر: تفسير الطبري: 16 / 325، تفسير ابن كثير: 2 / 500، أضواء البيان: 3 / 77-78، المحرر الوجيز: 8 / 110.
(4) ساقط من "ب".
(5) وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال الطبري تعقيبا على هذين الرأيين: (16 / 325): "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: "الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها" فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا -جل ثناؤه- ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه".

(4/292)


وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)

وزعم: أن عمدها جبل قاف، وهو محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة (1) .
{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } علا [عليه] (2) { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } ذللهما لمنافع خلقه فهما مقهوران، { كُلٌّ يَجْرِي } أي: يجريان على ما يريد الله عز وجل، { لأجَلٍ مُسَمًّى } أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. [وقال ابن عباس] (3) : أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، { يُدَبِّرُ الأمْرَ } يقضيه وحده، { يُفَصِّلُ الآيَاتِ } يبين الدلالات، { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لكي توقنوا بوعده وتصدقوه.
{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) } .
{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ } بسطها، { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالا ثابتة، واحدتها راسية، قال ابن عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض (4) { وَأَنْهَارًا } وجعل فيها أنهارا. { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: [صنفين اثنين] (5) أحمر وأصفر، وحلوا
__________
(1) التعبير بكلمة "زعم" تشير إلى تضعيف هذا الرأي، لأن زعم مطية الكذب، كما تقول العرب، ولذلك، نثبت هنا كلمة قيمة للحافظ ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره لسورة (ق): (4 / 222) قال: "روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب. وعندي: أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يجوزه العقل. فأما ما تحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه: فليس من هذا القبيل. والله أعلم". ثم قال: "وقد أكثر من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة" ثم أورد أثرا غريبا لا يصح سنده عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم الرازي عن جبل قاف المحيط بالأرض وقال: "وإسناد الأثر فيه انقطاع". هذا، وقد جمع الشيخ أحمد شاكر كلمات ابن كثير في الإسرائيليات في عمدة التفسير: 1 / 14-19.
(2) في "ب": علمه.
(3) في "ب": وقيل.
(4) نقله القرطبي عن ابن عباس وعطاء: 9 / 280.
(5) ما بين القوسين ساقط من "ب".

(4/293)


وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

وحامضا، { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } أي: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس الليل بضوء النهار، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيستدلون. والتفكر (1) تصرف القلب في طلب معاني الأشياء.
{ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } .
{ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ } متقاربات يقرب بعضها من بعض، وهي مختلفة: هذه طيبة تنبت، وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، { وَجَنَّاتٌ } بساتين، { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ } رفعها كلها ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب، عطفا على الجنات، وجرَّها الآخرون نسقاً على الأعناب. والصنوان: جمع صنو، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد.
{ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } هي النخلة المنفردة بأصلها. وقال أهل التفسير (2) صنوان: مجتمع، وغير صنوان: متفرق. نظيره من الكلام: قنوان جمع قنو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: "عمّ الرجل صنو أبيه" (3) . ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب، وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة، وفي الجمع منونة.
{ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب " يُسقى " بالياء أي يسقى ذلك كله بماء واحد، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: { وَجَنَّاتٌ } ولقوله تعالى من بعد "بعضها على بعض"، ولم يقل بعضه. والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نامٍٍ.
{ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ } في الثمر والطعم. قرأ حمزة والكسائي " ويفضل " بالياء، لقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ } (الرعد -2) .
وقرأ الآخرون بالنون على معنى: ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل، وجاء في الحديث [في قوله]: "ونفضل بعضها على بعض في الأكل"، قال: "الفارسي، والدَّقَلُ، والحلو، والحامض" (4) .
__________
(1) في "أ": والفكر.
(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 335-340.
(3) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه مسلم في الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، برقم (983): 2 / 676-677. وانظر فيما سبق: 1 / 154. تفسير الطبري: 16 / 338-339 مع تعليق محمود شاكر.
(4) أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 544 وقال: "هذا حديث حسن غريب، وقد رواه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش نحو هذا وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري". وأخرجه الطبري في التفسير: 16 / 344، وعزاه السيوطي في الدر: 4 / 605 أيضا للبزار وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه. و"الفارسي" -من التمر- نوع منه، ولعله عني به (البَرْنِيّ) وهو ضرب من التمر أصفر مدور، عذب الحلاوة وهو أجوده وقالوا: إن لفظ "البرني" فارسي معرب. و"الدقل": أردأ أنواع التمر. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 16 / 343.

(4/294)


وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)

قال مجاهد: كمثل بني آدم، صالحهم وخبيثهم، وأبوهم واحد (1) .
قال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، ويقول: كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل، فسطحها، فصارت قطعاً متجاورةً، فينزل عليها المطر (2) من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سَبَخَها وملحها وخبيثها (3) وكل يُسقَى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسو قلوب فتلهو.
قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا}(الإسراء -82). (4)
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت { لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
{ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) } .
{ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق [من الله عز وجل] (5) فعجب أمرهم.
وكان المشركون ينكرون البعث، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.
__________
(1) الطبري: 16 / 342.
(2) في "ب": الماء.
(3) في "ب": خبثا.
(4) الطبري: 16 / 340.
(5) ساقط من "ب".

(4/295)


وقيل: معناه: وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها وهم قدْ رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم، أي: فتعجب أيضا من قولهم: { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا } بعد الموت، { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت.
قرأ نافع والكسائي ويعقوب "أئذا" مستفهما "إنّا" بتركه، على الخبر، ضده: أبو جعفر وابن عامر. وكذلك في "سبحان" في موضعين، والمؤمنون، والم السجدة، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي 188/ب الصافات في موضعين هكذا إلا أن أبا جعفر يوافق نافعاً في أول الصافات فيقدم الاستفهام ويعقوب لا يستفهم الثانية {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون}(الصافات -53).
قال الله تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ } يوم القيامة { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

(4/296)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )